بأقلام القراء

أماني عبد الرحمن تكتب: الصفعة

الصباح العربي

استيقظت على صوت هاتفها بنغمته التى خصصتها له دون غيره من الناس، فدق قلبها ورقص فرحا لأنه هو المتصل وثبت وأسرعت وأمسكت بالهاتف فى ابتسامة عريضة واحمرت وجنتاها من شدة الفرحة..

هنا سمعت صوته تلعثمت فى الرد جف حلقها من شدة شوقها إليه.. حاولت استجماع أعصابها وقالت فى هدوء 
-الو 
-ايوه ياملك "لم يدللها كعادته فعلمت انه غاضب" 
أكمل حواره وقال: أحبك نعم أنا أحبك كثيرا بل أعشقك هنا اضطربت كل حواسها فرحا، ولكنها تعجبت من نبرته الجادة بل الحادة.

عاود استكمال الحديث وقال لها: أحبك ومع ذلك سأتركك سأريحك منى بعض الوقت.. عليك أن تفكرى بما قلت عليك أن تعاودى التفكير فيما بيننا.. لم تعبر بكلمة ظلت صامتة كل ما قالته بعد أن أنهى حديثة.. مع السلامة.

تركت الهاتف بجوارها مادت الدنيا تحت قدميها حاولت استيعاب ما حدث بل حاولت إنكاره بدأت تشكك فى كل ما حدث وتسأل نفسها 
هل دق الهاتف؟
هل كان هو فعلا من يحدثها؟
كان إنكار ما حدث تماما أهون عليها من التصديق.. ثم حاولت أن تتذكر ما حدث بينهما
أيصدقها إن أقسمت له أنها لا تتذكر ما كتبته له.. هل كانت كلماتها جارحة إلى هذا الحد؟
انها لم تفعل سوى عتابه على غياب غير مبرر فى وقت لا يحق له فيه الغياب.
أيعاقبها على احتياجها له 
ربما غضبها جعلها قاسية الكلمات وأخيرا..
جاب بخاطرها ما كتبته له:
عندما تشعر أنك لم تعد تحبنى 
عندما تشعر أنك لم تعد تريد البقاء 
عندما تشعر برغبتك فى الرحيل 
أخبرنى فورا لا تكن أنانيا وتتركنى أتجرع عذاب الإهمال.. البعد أرحم من قسوة الإهمال.

لقد اعتبر تلك الكلمات إهانة لمشاعره إهانة لكل ما بينهما من حب وقرب وصداقة.

رجعت من تلك الومضات منهارة تبكى ألم الفراق بكت لساعات ربما لأيام.. ثم استجمعت قواها ومنعها كبرياءها من الاتصال، وأقنعت نفسها أن عليها مقاومة الحزن وزادت قسوة كلماته من إرادتها.. حاولت أن تشغل نفسها باصدقائها.. بكل الأشياء التى من الممكن أن تنشغل بها حاولت لأيام واسابيع.. ولكنها كانت فى الحقيقة تنتظر.. نعم تنتظر تنتظره.
مرت عليها الأيام سنوات تشعر بكل دقيقة تمر وكأنها عمر
تنظر فى هاتفها فتجده خال من رسائله رغم أنه ممتلئ برسائل الأصدقاء فتشعر أن لا أحد يراسلها 
تمر بكل الأماكن التى زاراها معا 
تتذكر كلماته فتبتسم غير ذلك لا تعرف الابتسامة لوجهها طريق 
ترى كل الناس تشبهه تبحث عنه فى كل الوجوه.. الدنيا فارغة بدونه فقد كان يغنيها عن كل الناس بل عن أقرب الناس فكل شيء دونه خاويا فارغا كل علاقتها بمن حولها استكمالا لعلاقتها به فلا أصدقاء ولا أقرباء بدونه كل شيء لا يكتمل إلا به 

أصبح وجهها شاحبا وانطفأ بريق عيناها وراحت روحها فى الذبول شيئا فشيئا أصبحت جسدا هزيلا وعينان حزينتان وروحا متعبة 
أين المرأة التى كانت تملأ الدنيا مرحا واشراقا ودلالا.. ذبلت كما تذبل الزهرة المحرومة من المياه.

انها لا تقوى على الحرمان مرة أخرى لهذا
وبيد مرتعشة أمسكت هاتفها وكتبت له:

هل هنت عليك إلى هذا الحد 
اتتركنى بمفردى وسط هذا العالم؟! كيف ليدك أن تترك يدى بهذه البساطة 
أأخطأت إلى هذا الحد؟! وليكن 
ألست بصغيرتك المدللة التى وإن أخطأت وجهتها ووبختها لكن لم تتركها بمفردها؟!
ألست بصديقتك وإن أخطأت ناقشتها ؟!
ألست بحبيبتك وإن أخطأت فقط نظرت بعينيها تعود لاحضانك تعتذر؟!
أما كان لزاما عليك أن تسمعنى؟!
أما كان لزاما عليك أن تناقشنى؟! 
أما كان لزاما عليك أن تعلمنى الحب والحياة؟! 
ألا تعلم انى أصبحت أرى الحياة بعينيك وأحكم عليها بعقلك 
ما تلك القسوة بداخلك أبمقدورك تركى بمفردى؟!

وبعد أن بعثت له برسالتها.. نظرت لنفسها فى المرآة فلم تجد نفسها بل وجدت امرأة منكسرة.. بقايا امرأة محطمة شعرت بشىء داخلها قد تغير شعرت بشىء قد انكسر.. إنها لم تعد تنتظره.. توقف قلبها عن الحنين إليه لم يعد يعنيها 
وأفاقت.. لتخرج منها امرأة أخرى لا يعرفها أحد لقد أخرجت القسوة منها تلك القوة، وحولتها ساعات الانتظار لمرأة بلا شوق أنهى الحزن على ما بقلبها من حب وكأنها تأخذ بثأر قلبها.. لقد حاربت الاشتياق بالاستغناء 
أخرج الحرمان جبروت المرأة وقوتها إنها لن تنتظر رده لم يعد يعنيها 

واستيقظت صباحا لتفتح لشعاع الشمس بابا، وتبدأ صفحة جديدة بحياتها بلا أوجاع.
انها الأنثى كما قال عنها نجيب محفوظ.. بداخلها امرأة قوية تستيقظ فقط حينما تعلم أن لا أحد بجانبها.
 

أماني عبد الرحمن تكتب الصفعة