رئيس التحريرحسين شمردل
  • بنك مصر
  • بنك مصر

ماذا يفعل أردوغان في الجزائر ؟

ماذا يفعل أردوغان في الجزائر ؟
2018-02-27 20:12:03

في غضون  الفترة الصعبة التي تعيشها الجزائر نتيجة تصاعد الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، منذرةً – ربما – بربيعٍ ساخنٍ، يقوم أحد أكثر داعمي الربيع العربي؛ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارةٍ رسمية إلى الجزائر ابتداءً من اليوم وتستمر ثلاثة أيامٍ، يلتقي خلالها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وتأتي هذه الزيارة في وقتٍ تشهد فيه العلاقة بين البلدين مرحلةً جديدةً محورها التقارب والتعاون  .

فقبل أكثر من أربعة قرون مضت، وفي الوقت الذي كانت سواحل الجزائر عرضةً للتحرُّش من طرف البحرية الإسبانية، كان أخوان تركيان يبحران في المتوسط، تنفيذًا لمهام أُسديت لهما من طرف السلطان «سليم الأوّل»، قبل أن يتلقيا طلبًا جزائريًا بالمساعدة، ليركب كل من «عرّوج» و«خير الدين بربروس» سفينتيهما ملبيّيْن نداء الجزائريين، ليشتبكا مع البحرية الإسبانية في ميناء بجاية. كانت مدّة المعركة ثلاث ساعات ونصفًا فقط كفيلة بأن تسحق فيها السواعد التركية الغزاة الإسبان، محررين ميناء بجاية، ليبدأ فصلٌ من العلاقات التركية المتمثلة في الدولة العثمانية والجزائر، ولتنضمّ بعدها الجزائر إلى الدولة العثمانية رسميًا، وتتحوّل إلى سدٍ منيعٍ وأسطول حمايةٍ للدولة العثمانية في المتوسط على مدار ثلاثة قرونٍ، كان المتوسط خلالها يخضع للسيطرة العثمانية، قبل أن تخضع الجزائر للاحتلال منتصف العام 1830.

وحاولت الدولة العثمانية عن طريق «أحمد باي» مقاومة الاحتلال الفرنسي؛ إلّا أن كلّ المحاولات باءت بالفشل نتيجةً للتغلغل الفرنسي وقربه من السلطنة العثمانية ولظروف سياسية أخرى. ورغم تدهور العلاقة بين الجزائر وتركيا نتيجة أن بعض المسؤولين الجزائريين الذين حمّلوا الدولة العثمانية مسؤولية الاحتلال الفرنسي، وعدم مساعدتهم ومقاومتهم للاستعمار، وهو ما تجلى في تصريح الوزير الأوّل أحمد أويحيى الذي  دعا أردوغان بعدم المتاجرة بمآسي الجزائريين على ضوء اتهام أردوغان لفرنسا بارتكاب مجازر في الجزائر، إضافةً إلى قوله: «إن تركيا هي التي سلمت الجزائر للفرنسيين بعد ثلاثة أيام من بداية الغزو سنة 1830 وتركيا صوتت في الأمم المتحدة ضد كل القرارات التي كانت في صالح الجزائر قبل استقلالها في 1962»، إلّا أنّ رئيس الوزراء التركي الأسبق «عدنان مندريس» قام بدعم الثورة الجزائرية بالسلاح رغم انضمام تركيا لحلف الناتو عن طريق تزويد ليبيا بالسلاح ومن بعده تهريبه للجزائر.

ابزاز اردغان

وبعد أن عرفت تركيا تحولًا ديمقراطيًا بصعود حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيّب أردوغان إلى السلطة، عملت تركيا على التصالح مع الدول العربية والتوجه إليها في محاولة لاسترجاع «أمجاد الماضي»، وهذا ما دفع بالرئيس التركي إلى الهجوم على فرنسا أكثر من مرّة واتهامها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في فترة احتلالها للجزائر مطالبًا إياها بالاعتذار، وهو ما جعل قطاعًا من الجزائريين يشيدون بموقف الرئيس التركي ويثمنون مواقفه تجاه بلادهم.

وفي خضمّ التحولات الرهيبة في التحالفات التي يشهدها العالم، بدأت تركيا مبكرًا في استقطاب الفناءات الخلفية لخصومها بدايةً من تقاربها مع روسيا وإيران بعد فشل الانقلاب الذي شهدته في سبتمبر  2016، وتعزيز علاقتها مع قطر والمغرب والسودان، ناهيك عن تغلغلها في أفريقيا والذي نتج عنه قمة تركية أفريقية حضرها ممثلو 19 دولةٍ إلى جانب مسؤولين بالاتحاد الأفريقي، عملت هذه القمّة على تعزيز وتقوية التعاون بين تركيا والدول الأفريقية. فبالنسبة لبعض الدول الأفريقية مثل الصومال وجيبوتي أصبحت تركيا شريكًا تجاريًا واقتصاديًا رئيسيًا، تحولت بموجبه تركيا أملًا رئيسيًّا في حل الأزمة على المدى الطويل. ولهذا السبب لم يكن غريبًا أن يخرج سكان مقديشو إلى شوارع المدينة في 16 يوليو  2016، احتجاجًا على الانقلاب العسكري ضد أردوغان.

ومع نهاية العام الماضي، شرع الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان في جولة أفريقية قادته هذه المرّة إلى شرق القارة، بدايةً من السودان التي أجرى فيها مباحثاتٍ مع الرئيس السوداني عمر البشير، وأسفرت عن عقد اتفاقيات بقيمة ملياري دولار، إضافةً إلى توقيع اتفاقية إعادة تأهيل جزيرة سواكن السودانية، لينتقل بعدها أردوغان إلى تشاد ثم إلى تونس مستغلًا التوتر بين تونس وأحد خصومه المتمثل في الإمارات العربية المتحدة، بعد منع أبوظبي للتونسيات من السفر على متن خطوطها الجوية.

وابتداءً من اليوم، 26 فبراير الحالي يشرع الرئيس التركي في زيارةٍ أفريقية جديدة، يستهلها بالعاصمة الجزائر ثمّ موريتانيا والسنغال ومالي تنتهي في الثاني من مارس  المقبل، في محاولةٍ لكسبِ حلفاء جددٍ في صفِّه، خصوصًا بعد أن ساءت العلاقة مؤخرًا بين الجزائر والمملكة العربية السعودية نتيجة اللافتة الشهيرة التي رفعت في ملعب كرة قدم وخلفت أزمة دبلوماسية بين البلدين.

جديرٌ بالذكر أنّ الجزائر أعلنت الحياد في الأزمة الخليجية، بعد أن قررت السعودية والإمارات ومصر والبحرين قطع علاقتها مع قطر، التي  تعتبر الحليف الاستراتيجي الأقرب لأنقرة، ودعت الخارجية الجزائرية في بيانٍ لها إلى «ضرورة التزام مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها الوطنية في جميع الظروف»، كما شهدت الفترة الأخيرة تقاربًا بين الجزائر والدوحة، عن طريق عقد صفقات اقتصادية واستثمارات بالمليارات.

كسب ودّ الجزائر !

سيستهلّ أردوغان زيارته للجزائر بتدشين مسجد كتشاوة التاريخي الذي يعود إلى فترة الحكم العثماني للجزائر، والذي تكفّلت وكالة تركية بإعادة ترميمه بعد أن تقرّر إغلاقه منذ سنوات، وهو ما تعوّد عليه أردوغان في زيارته الأخيرة، خصوصًا للسودان وتكفله بتهيئة جزيرة سواكن التاريخية، كما سيبحث عن دعم التعاون الاقتصادي مع الجزائر وزيادة الاستثمارات التركية في الجزائر، وفي زيارته لتركيا قبل يومين قال وزير الخارجية الجزائري «عبد القادر مساهل» إنّ «حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتركيا بلغ 3.5 مليارات دولار، كما يوجد 797 شركة تركية تعمل في الجزائر، توظف 28 ألفًا و434 شخصًا».

في حين صرّح وزير الخارجية التركي «جاويش أوغلو» لدى استقباله نظيره الجزائري: «إن البلدين يبذلان جهودًا مضاعفة من أجل تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية»، مؤكدًا على ضرورة رفع حجم التبادل التجاري الحالي بين الطرفين، عن طريق عقد اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة ومنتدى الأعمال في أسرع وقت ممكن، ومن المزمع أيضًا أن تفتح زيارة أردوغان للجزائر ملف إلغاء التأشيرة بين البلدين تشجيعًا للسياحة والاستثمار.

جديرٌ بالذكر أن الجزائر وتركيا وقعتا سنة 2006 على اتفاقية صداقة ساهمت في رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين وزيادة حجم استثماراتها في الجزائر، وتعد هذه الزيارة الثانية من نوعها للرئيس التركي إلى الجزائر، بعد آخر زيارة قام بها أردوغان في نوفمبر عام 2014، التي أعلن خلالها رغبة تركيا في رفع استثماراتها في الجزائر إلى 10 مليارات دولار، في حال نالت شركات المقاولات التركية حصة أكبر في البُنى التحتية في الجزائر.

عودة للتاريخ

تحمل زيارة أردوغان إلى الجزائر الكثير من الملفات، فما بين اتفاقيات اقتصادية، وغوص في التاريخ، يأخذ مستقبل الإسلاميين في الجزائر حيزًا من الزيارة، بحكم القرب الفكري لحركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي من حزب العدالة والتنمية التركي الذي يرأسه الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، فبعد أن فشل النظام في إرجاع الإسلاميين للمشاركة في الحكومة بعد الانتخابات التشريعية؛ يعوّل بوتفليقة – حسب بعض المراقبين – على نظيره التركي من أجل إقناع الإسلاميين بالعودة. جديرٌ بالذكر أنّ أكبر الأحزاب الإسلامية المتمثل في حركة حمس ستخوض شهر مايو  المقبل مؤتمرها السادس الذي يعتبر حسب المراقبين مفصليًا، كونه سيقرر الخطوط الجديدة التي ينتهجها التيار الإسلامي في المستقبل.

تجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس الأسبق لحركة مجتمع السلم وأحد كوادرها «أبو جرّة سلطاني» قام بزيارةٍ بدعوة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى تركيا سنة 2012، قبيل المؤتمر الخامس للحزب، للدلالة على الترابط الكبير بين الإسلاميين في الجزائر وتركيا، كما عبّر رئيس حركة مجتمع السلم الدكتور «عبد الرزاق مقري» عن ترحابه بزيارة أردوغان إلى الجزائر، مهاجمًا في الوقت ذاته الرافضين للزيارة واصفًا إياهم بالخونة وعملاء الاستعمار والممسوخين حضاريًا وثقافيًا الذين يعبرون عن حقدهم عن كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين من خلال التهجم على زيارة أردوغان الجزائر.

أُضيفت في: 27 فبراير (شباط) 2018 الموافق 11 جمادى آخر 1439
منذ: 6 شهور, 24 أيام, 22 ساعات, 1 دقيقة, 43 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

305028

استطلاع الرأي

هل تؤيد محاكمة الإرهابيين أمام المحاكم العسكرية
جميع الحقوق محفوظة 2017 © - الصباح العربي