بالفيديو.. قصه النبي عيسى ومريم العذراء
إنَّ حنة و اشتياع كانتا أختين، تزّوجت الأولى عمران أحد زعماء بني إسرائيل، وتزوجت الأخرى زكريا النبي.
مضت سنوات على زواج حنة بغير أن ترزق مولودًا. وفي أحد الأيام بينما هي جالسة تحت الشجرة، رأت طائرًا يطعم فراخه. فأشعل هذا المشهد نار حب الأمومة في قلبها.
فتوجهت إلى الله بمجامع قلبها طالبةً منه أن يرزقها مولودًا، فاستجاب الله دعاءها الخالص، ولم تمض مدة طويلة حتى حملت.
إن الله قد أوحى إلى (عمران) أنه سيهبه ولدًا مباركًا يشفي المرضى الميؤوس من شفائهم، ويحي الموتى بإذن الله، سوف يرسله نبيّاً إلى نبي إسرائيل. فأخبر عمران زوجته (حنة) بذلك. لذلك عندما حملت ظنّت أنّ ما في بطنها للخدمة في بيت الله (بيت المقدس ويسمّى محررًا).
(المحرر) من التحرير، وكانت تطلق في ذلك الزمان على الأبناء المعيّنين للخدمة في المعبد ليتولّوا تنظيفه وخدماته، وليؤدّوا عباداتهم فيه وقت فراغهم. ولذلك سمّي الواحد منهم (المحرر) إذ هو محرر من خدمة الأبوين، وكان ذلك مدعاة لافتخارهم.
قيل إنّ الصبيان القادرين على هذه الخدمة كانوا يقومون بها بإشراف الأبوين إلى سنّ البلوغ، ومن ثم كان الأمر يوكل إليهم، إن شاؤوا بقوا، وإن شاؤوا تركوا الخدمة.
رب إني وضعتها أنثى:
القرآن الكريم يشرح حال أم مريم بعد ولادتها، فقد أزعجها أن تلد أنثى، وراحت تخاطب الله قائلة: إنّها أنثى، وأنت تعلم أنّ الذكر ليس كالأنثى في تحقيق النذر، فالأنثى لا تستطيع أن تؤدي واجبها في الخدمة كما يفعل الذكر فالبنت بعد البلوغ لها عادة شهرية ولا يمكنها دخول المسجد، مضافًا إلى أن قواها البدنية ضعيفة، وكذلك المسائل المربوطة بالحجاب والحمل وغير ذلك. ﴿وليس وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾.
إنّ مريم لم تكن تصدق إمكان قبول الأنثى خادمة في بيت الله، لذلك كانت تتمنّى أن تلد يومًا ذكرًا، إذ لم يسبق أن اختيرت أنثى لهذا العمل.
ولكن القرآن يقول إنّ الله قد فبل قيام هذه الأنثى الطاهرة بهذه الخدمة الروحية والمعنوية، لأوّل مرّة.
يقول بعض المفسرين: إنّ دليل قبولها لهذه الخدمة أنّها لم تكن ترى العادة الشهرية أثناء خدمتها في بيت المقدس لكي لا تضطر إلى ترك الخدمة، أو أن حضور طعامها من الجنة إلى محرابها دليل على قبولها. وقد يكون النذر وقبول مريم قد أبلغ للأم عن طريق الإلهام.
يقول القرآن: اختار الله زكريا كي يتكفل مريم، إذ أنّ أباها عمران قد ودع الحياة قبل ولاتها.
إن أم مريم هي التي سمتها بهذا الاسم عند ولادتها. و (مريم) بلغتها تعني (العابدة). وفي هذا يظهر منتهى اشتياق هذه الأم الطاهرة لوقف وليدها على خدمة الله. لذلك طلبت من الله-بعد أن سمّتها- أن يحفظها ونسلها من وسوسة الشياطين، وأن يرعاهم بحمايته ولطفه ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
القرعة لكفالة مريم:
إن مريم بعد أن وضعتها لفتها في قطعة قماش وأتت بها إلى المعبد وخاطبت علماء بني إسرائيل وأشرافهم بقولها: هذه الملودة قد نُذرت لخدمة بيت الله، فليتعهد أحدكم بتربيتها. ولما كانت مريم من أسرة معروفة (آل عمران)، أخذ علماء بني إسرائيل يتنافسون في الفوز بتعهد تربيتها. وأخيرًا اتفقوا على إجراء القرعة بينهم، فجاؤوا إلى الشاطئ نهر وأحضروا معهم أقلامهم وعصيهم التي كانوا يقترعون بها. كتب كل واحد منهم اسمه على قلم من الأقلام، وألقوها في الماء، فكل قلم غطس في الماء خسر صاحبه ، والرابح يكون من يطفو قلمه على الماء: غطس القلم الذي كتب عليه اسم زكريا، ثم عاد وطفا على سطحه، وبذلك أصبحت مريم في كفالته، وقد كان في الحقيقة أجدرهم بذلك، فهو نبي وزوج خالة مريم.
يقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.(1) أي إنك لم تكن حاضرًا حينذاك.
زكريا وكفالة مريم:
كبرت مريم تحت رعاية زكريا، وكانت غارقة في العبادة والتعبد، بحيث إنها عندما بغت التاسعة من عمرها كانت تصوم النهار وتقوم الليل بالعبادة، وكانت على درجة كبيرة من التقوى ومعرفة الله حتى أنها فاقت الأحبار والعلماء في زمانها. وعندما كان زكريا يزورها في المحراب يجد عندها طعامًا خاصًا، فيأخذه العجب من ذلك. سألها يومًا: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(2).
القرآن لا يذكر شيئًا عن ماهية هذا الطعام ومن أين جاء، لكنّ بعض الأحاديث تفيد أنه كان فاكهة من الحنة في غير فصلها تحضر بأمر الله إلى المحراب، وليس ما يدعو إلى العجب في أن يستضيف الله عبدًا تقيًا.
وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) ما ملخصه أن رسول الله (ص) دخل يومًا على ابنته فاطمة (ع) وهو يعلم أنها لم تكن تملك طعامًا يذكر منذ أيام، فوجد عندها طعامًا وافرًا خاصًا، فسألها عنه، فقالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول الله (ص) لعلي (ع): ألا أحدثك بمثلك ومثلها؟ قال: بلى، قال: زكريا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقًا، قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشء بغير حساب....
الملائكة يكلمون مريم:
إن الملائكة كانوا يكلمون مريم: ﴿قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾.
فقد بشرتها الملائكة بأن الله تعالى قد اختارها من بين جميع نساء العالم وطهرها وفضلها بسبب تقواها وإيمانها وعبادتها.
والجدير بالذكر أن كلمة "اصطفاك" تكررت مرتين في هذه الآية، ففي المرة الأولى كانت لبيان الاصطفاء المطلق، وفي الثانية إشارة إلى أفضليتها على سائر نساء العالم المعاصر لها.(3)
إن الملائكة بعد أن بشرها بأن الله قد اصطفاها، قالوا لها:
الآن اشكري الله بالركوع والسجود والخضوع له اعترافاً بهذه النعمة العظمى. (4).
بداية ولادة المسيح (ع):
يقول القرآن الكريم في قصة ولادة المسيح (ع): فقد كانت مريم كانت مريم تبحث عن مكان خال من كل نوع من التشويش والضوضاء حتى لا يشغلها شيء عن مناجاتها ويصرفها – ولو حيناً – عن ذكر المحبوب، ولذلك اختارت شرقي بيت المقدس، ذلك المعبد الكبير، لعله يكون مكاناً أكثر هدوءاً، أو أنه كان أنظف وأنسب من جهة أشعة الشمس ونورها.
في هذه الأثناء من أجل أن تكمل مريم مكان خلوتها واعتكافها من كل جهة، فإنّها من أجل أن تناجي ربها بحرية أكبر، وتستطيع عند خلو هذا المكان من كل ما يشغل القلب والحواس أن تتوجه إلى العبادة والدعاء.
والروح أحد الملائكة العظام حيث تجسد لمريم على شكل إنسان جميل لا عيب فيه ولا نقص. (5)
إن الحالة التي اعترت مريم في تلك اللحظة واضحة جداً، فمريم التي عاشت دائماً نقية الجيب، وتربت في أحضان الطاهرين، وكان يضرب بها المثل بين الناس في العفة والتقوى... كم داخلها من الرعب والاضطراب عند مشاهدة هذا المنظر، وهو دخول رجل أجنبي جميل في محل خلوتها! ولذلك فإنها مباشرة وكانت هذه أول هزة عمت كل وجود مريم.
إن ذكر اسم الرحمان، ووصفه برحمته العامة من جهة، وترغيب الرجل في التقوى والامتناع عن المعصية من جهة أخرى، كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إن كانت له نيّة سيئة في ارتكاب المعصية، والأهم من ذلك كله هو الالتجاء إلى الله، فالله الذي يلتجئ إليه الإنسان في أحلك الظروف، ولا تقف أية قدرته، هو الذ سيحل المعضلات.
لقد كانت مريم تنتظر رد فعل ذلك الشخص المجهول بعد أن تفوهت بهذه الكلمات انتظاراً مشوباً بالاضطراب والقلق الشديد، إلا أن هذه الحالة لم تطل، فقد كلمها ذلك الشخص، ووضح مهمته ورسالته العظيمة.
لقد كانت هذه الجملة كالماء الذي يلقى على النار، فقد طمأنت قلب مريم الطاهر، إلا أن هذا الاطمئنان لم يدك طويلاً؛ لأنه أضاف مباشرة.
لقد اهتز كيان ووجود مريم لدى سماع هذا الكلام، وغاصت مرة أخرى في قلق شديد.
لقد كان تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط، وكانت تظن أن المرأة يمكن أن يكون لها ولد عن طريقين لا ثالث لهاما: إمّا الزواج أو التلوث بالرذيلة والانحراف، وإني أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر، فإني لم أختر زوجًا لحد الآن، ولم أكن امرأة منحرفة قط، ولم يسمع لحد الآن أنّ شخصًا يولد له ول من غير هذين الطريقين!
إلا أنَّ أمواج هذا القلق المتلاطمة هدأت بسرعة عند سماع كلام آخر من رسول الله إليها، فقد خاطب مريم: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ فأنت الواقفة على قدرتي والعالمة بها جيدًا.. أنت التي رأيت ثمر الجنة في فصل لا يوجد شبيه لتلك الفاكهة في الدنيا جنب محراب عبادتك. أنت التي سمعت نداء الملائكة حين شهدت بعفتك وطهارتك.. أنت التي تعلمين أنّ جدك آدم قد خلق من التراب، فلماذا هذا التعجب من سماعك هذا الخبر؟
ثمّ أضاف: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ فنحن نريد أن نبعثه للناس رحمة من عندنا، ونجعل معجزة، وعلى كل حال ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾(6). فلا مجال بعد ذلك للمناقشة.
ما هو المراد من روح الله؟
إنّ كل المفسرين المعروفين تقريبًا فسروا الروح هنا بأنّه جبرئيل ملك الله العظيم، والتعبير عنه بالروح لأنّه روحاني، ووجود مفيض للحياة، لأنّه حامل الرسالة الإلهية إلى الأنبياء وفيها حياة جميع البشر اللائقين، وإضافة الروح هنا إلى الله دليل على عظمة وشرف هذا الروح، حيث أن من أقسام الإضافة هي (الإضافة التشريفية).
مريم في عاصفة:
وأخيرًا حملت مريم، واستقر ذلك الولد الموعود في رحمها: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ ولم يتحدث القرآن عن كيفية نشوء وتكون هذا المولود، فهل أن جبرئيل قد نفخ في ثوبها، أم في فمها؟ وذلك لعدم الحاجة إلى هذا البحث، بالرغم من أنّ كلمات المفسرين مختلفة في هذا الشأن.
وعلى كل حال، فإِنّ هذا الأمر قد تسبب في أن تبتعد عن بيت المقدس ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.
لقد كانت تعيش حالة بين الخوف والأمل، حالة من القلق والاضطراب المشوب بالسرور، فهي تفكر أحيانًا بأن هذا الحمل سيفشو أمره في النهاية، فالأفضل أن أبقى بعيدة عن أولئك الذين يعرفونني عدة أيام أو شهر، وأعيش في هذا المكان بصورة مجهولة، وماذا سيحدث في النهاية؟
فمن الذي سيقتنع بأنّ امرأة لا زوج لها تحمل دون أن تكون قد تلوثت بالرذيلة؟ فماذا سأفعل تجاه هذا الاتهام؟ والحق أنّ من المؤلم جدًا بالنسبة لفتاة كانت لسنين طويلة نموذجًا وقدوة للطهارة والعفة والتقوى والورع، ومثالاً في العبادة والعبودية لله، وكان زهاد بني إسرائيل يفتخرون بكفالتها منذ الطفولة، وقد تربت وترعرعت في ظل نبي كبي، وقد أشاع أمر سجاياها وقداستها في كل مكان، أن تحس في يوم ما أن كل هذا الرصيد المعنوي مهدد بالخطر، وستكون غرضًا ومرمى لاتهام يعتبر أسوء وأقبح اتهام، وكانت هذه هي المصيبة الثالثة التي وقعت لها.
وهناك بحث في مدة حمل مريم، بالرغم من أنّه ذكر في لقرآن بصورة خفية ومبهمة فبعضهم حسبه ساعة واحدة، وآخر تسع ساعات، وثالث ستة أشهر، ورابع سبعة، وآخر ثمانية، وآخر تسعة أشهر كسائر النساء، إلا أن هذا الموضوع ليس له ذلك التأثير في هدف هذه القصة. والروايات الواردة في هذا المجال مختلفة أيضًا.
وقد اعتقد الكثيرون أنّ المكان (القصي) هو مدينة (الناصرة) وربما بقيت في تلك المدينة بصورة دائمًا وقلّما خرجت منها.
ومهما كان فقد انتهت مدّة الحمل، وبدأت لحظات تلاطم أمواج حياة ريم، وقد دفعها ألم الولادة الشديد الذي هاج فيها إلى تلك الأماكن المعمورة والتوجه إلى الصحاري الخالية من البشر، والقاحلة التي لا عشب ولا ماء ولا مأوى.
ومع أن النساء يلجأن عادة في مثل هذه الحالة إلى المعارف والأصدقاء ليساعدوهن على الولادة، إلا أن وضع مريم لما كان استثنائيًا، ولم تكن تريد أن يرى أحد وضع حملها مطلقًا، فإنها اتخذت طريق الصحراء بمجرد أن بدأ ألم الولادة ويقول القرآن في ذلك، ﴿فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾(7).
إنّ التعبير بجذع النخلة، وبملاحظة أن الجذع يعني بدن الشجرة، ويوحي بأنّه لم يبق من تلك الشجرة إلا جذعها وبدنها، أي إِن الشجرة كانت يابسة.
يا ليتني مت قبل هذا:
غمر كل وجود مريم الطاهر سيل من اللغم والحزن، وأحسست بأنّ اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، اللحظة التي مها أخفيت فإِنها ستتضح هناك، وسيتجه نحوها سيل سهام الاتهام التي سيرشقها بها الناس.
لقد كان هذا الاضطراب والصراع كان صعبًا جدًا، وقد أثقل كاهلها إلى الحد الذي تكلمت فيه بلا الإرادة و ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾.
إن من البديهي أنّ الخوف من التهم في المستقبل لم يكن الشيء الوحيد الذي كان يعصر قلب مريم ويقلقها، وإن كان هذا الموضوع يشغل فكر مريم أكثر من أية مسألة أخرى، إلا أن مشاكل ومصائب أخرى كوضع الحمل لوحدها بدون قابلة ولا وصديق ومعين في الصحاري الخالي، وعدم وجود مكان للاستراحة، وعدم وجود الماء للشرب، والطعام للأكل، وعدم وجود وسيلة لحفظ المولود الجديد، وغير هذه الأمور كانت تهزها من الأعماق بشدة.
قد يتساءل البعض باعتراض: كيف أنّ مريم المؤمنة والعارفة بالتوحيد حيث رأت كل هذا اللطف والإحساس الإلهي، أجرت مثل هذه الجملة على لسانها وقالت: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾، إلا أن هؤلاء لم يدركوا أبدًا حال مريم في تلك الساعة، ولو أنهم أصابهم شيء قليل من هذه المشاكل فإنهم سينسون حتى أنفسهم.
إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلاً، فقد سطعت ومضة الأمل التي كانت موجودة دائمًا في أعماق قلبها، وطرق سمعها صوت ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وانظري إلى الأعلى كيف أن هذا الجذع اليابس قد تحول إلى نخلة مثمرة ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا / فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالمولود الجديد ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾(8). وهذا الصوم هو المعروف بصوم السكوت.
وخلاصة الأمر، إِنك لا تحتاجين إلى الدفاع عن نفسك، فإِن الذي وهبك هذا الوليد قد تعهد بمهمة الدفاع عنك أيضًا، وعلى هذا فليهدأ روعك من كل الجهات، ولا تدعي للهم طريقًا إلى نفسك.
إن هذه الحوادث المتلاحقة التي سطعت كالشرر المضيء الوهاج في الظلام الدامس، قد أضاءت كل أرجاء قلبها، وألقت عليه الهدوء والاطمئنان.
وأخيرًا رجعت مريم (ع) من الصحراء على المدينة وقد احتضنت طفلها ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ فلما رأوا طفلاً حديث الولادة بين يديها فغروا أفواههم تعجبًا، فقد كانوا يعرفون ماضي مريم الطاهر، وكانوا قد سمعوا بتقواها وكرامتها، فقلقوا لذلك بشدة، حيث وقع شك بعضهم وتعجل آخرون في القضاء والحكم وأطلق العنان للسانه في توبيخها وملامتها، وقالوا: إِن من المؤسف هذا الانحدار مع ذلك الماضي المضيء، ومع الأسف على تلوث سمعه تلك الأسرة الطاهرة ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾.
والبعض الآخر واجهها، بالقول: ﴿يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا﴾(9) فمع وجود مثل هذا الأب والأم الطاهرين، ما هذا الوضع الذي نراك عليه؟ فأي سوء رأيت في سلوك الأب وخلق الأم حتى تحيدي عن هذا الطريق؟(10)
في هذه الساعة، سكتت مريم بأمر الله، والعمل الوحيد الذي قامت به، هو أنها أشارت إلى وليدها ﴿فأشارت إليه﴾. ألا أنّ هذا العمل جعل هؤلاء يتعجبون أكثر، وربما حمل بعضها السخرية، ثم غضبوا وقالوا: مع قيامك بهذا العمل تسخرين من قومك أيضًا؟ ﴿قالوا كيف نكام من كان في المهد صبيا﴾.
على كل حال فإنّ الناس قلقوا واضطربوا من سماع كلام مريم هذا، بل وربما غضبوا وقالوا لبعضهم البعض –حسب بعض الروايات- إنّ استهزاءها وسخريتها أشد علينا من انحرافها عن جادة العف!
إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلاً، لأن ذلك الطفل الذي ولد حديثًا قد فتح فاه وتكلم: ﴿قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت﴾، ومفيدًا من كل الجهات للعباد ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا﴾.
وكذلك جعلني مطيعًا ووفيًا لأمي ﴿وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا﴾.
وفي النهاية يقول هذا المولود –أي المسيح- ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾.
إنذ هذه الأيام الثلاثة في حياة الإنسان أيام مصيرية خطرة، لا تتيسر السلامة فيها إلا بلطف الله، ولذلك جاءت هذه الآية في حق يحيى (ع) كما وردت في شأن المسيح (ع)، مع الاختلاف بأنّ الله هو الذي قالها في المورد الأول، أما في المرد الثلني فإنّ المسيح قد طلب ذلك. (11)
إنّ الذين يختارهم الله لقيادة الناس وهدايتهم، لا بدّ أن يكونوا في أعلى درجة من العلم والمعرفة وأن يقدموا أسمى التعاليم والقوانين البنّاءة، ثمّ بعد ذلك عليهم أن يظهروا أدلّة واضحة على علاقتهم بالله، لتوكيد مهمتهم. وبهذين الوسيلتين تكتمل عملية هداية الناس، وفي الآيات أعلاه تمت الإشارة إلى هذين الأمرين. ففي الأولى كان الكلام عن علم المسيح وكتبه السماوية. وفي الآية الثانية إشارة إلى معجزاته العديدة. ثمّ تبين الهدف من كلّ ذلك وهو هداية بني إسرائيل المنحرفين ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
ولمّا كانت دعوة الأنبياء في الحقيقة دعوة إلى حياة حقيقة،فإنّ القرآن –عند بيان معجزات السيد المسيح (ع)- يبدأ بذكر بثّ الحياة في الأموات بإذن الله، ويقول على لسان المسيح (ع)، ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ﴾.
إنّ قضية إحياء الموتى التدريجي بإذن الله ليست عويصة، لأنّنا نعلم أنّ جميع الكائنات الحيّة مخلوقة من التراب والماء، إلاَّ أنّ المعجزة في أن هذا الخلق الذي تحقّق على امتداد سنوات طويلة. فما الذي يمنع من لأن يكثّف الله تلك العوامل والأسباب بحيث تتمّ مراحل الخلق بسرعة فائقة، ويتحوّل الطين إلى كائن حي؟
بديهي أنّ تحقّق هذا الأمر في ذلك المحيط، وفي أي محيط آخر، سند حيّ ودليل واضح على علاقة صاحب المعجزة بعالم ما وراء الطبيعة، وعلى قدرة الله اللامتناهية.
ثمّ يشير إلى معالجة الأمراض الصعبة العلاج أو التي لا علاج لها، ويقول على لسانه: ﴿وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ﴾. لا شكّ أنّ القيام بكلّ هذه الأعمال وخاصّة لدى علماء الطب في ذلك الزمان كان من المعجزات التي لا يمكن إنكارها.
بعد ذلك يشير إلى إخباره عن أسرار الناس الخافية، فلكّ امرئ في حياته بعض الأسرار التي لا يعرف الآخرون شيئًا عنها. فإذا جاء من يخبرهم بما أكلوه، أو ما ادخروه، فهذا يعني أنّه يستقي معلوماته من مصدر غيبي: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾(12)(13).
إني عبد الله:
القرآن الكريم يؤكد على لسان المسيح (ع) عبودية المسيح لرفع كلّ إبهام وريب قد ينشأ من كيفية ولادته التي قد يتشبث بها البعض لإثبات ألوهيته وتقول: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾(14)، بخلاف ما نراه في الأناجيل المحرّفة الموجودة التي تنقل عن المسيح أنّه كان يستعمل (الرب) بدلاً من ذلك: ﴿إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. وهذا أكثر ما يمكن أن بقوم به المسيح في محاربة من يدعي بألوهيّته.
حوار النصارى مع النبي (ص):
إنّ مسيحييّ نجران جاؤوا في وفد مؤلف من 60 شخصًا وفيهم عدد من زعمائهم بقصد التحاور مع رسول الله (ص).
من بين المواضيع التي طرحت في ذلك الاجتماع مسألة أُلوهيته المسيح التي رفضها رسول الله واستدل بأنّ المسيح وُلِدَ وعاش كبقية الناس ولا يمكن أن يكون إلهًا، لكنهم استدلوا على ألوهيته بولادته من غير أب.
القرآن الكريم يورد استدلالاً قصيرًا وواضحًا في الرد على مسيحيي نجران بشأن ألوهية المسيح: إنّ ولادة المسيح من غير أب لا يمكن أن تكون دليلاً على أنّه ابن الله أو أنّه الله بعينه، لأنّ الولادة قد جرت لآدم بصورة أعجب فهو قد ولد من غير أب ولا أم.
وعليه، فكما أنّ خلق آدم من تراب لا يستدعي التعجب، لأنّ الله قادر على كل شيء، ولأن الله قادر على كل شيء، ولأن (فعله) و (إرادته) متناسقان فإذا أراد شيئًا يقول له: كن فيكون، كذلك ولادة عيسى من أمّ وبغير أب، ليست مستحيلة.

