الصباح العربي

مصطفى يوسف منصور يكتب عن الغربة تأليف لقمان محمد

الجمعة 5 فبراير 2016 08:57 مـ 25 ربيع آخر 1437 هـ
مصطفى يوسف منصور يكتب عن الغربة تأليف لقمان محمد

صدرت المجموعة القصصية الأولى للأديب لقمان محمد عن دار ضاد للنشر والتوزيع ، وهى مجموعة متميزة تضم ثلاثمائة قصة قصيرة جداً من النوع الذى يطلق عليه" الومضة القصصية "، وقد تم إقامة حفل توقيع للكتاب فى معرض القاهرة الدولى للكتاب يوم 30 /1 / 2016 بصالة رقم (2) وكان حفلاً رائعاً ضم العديد من الأدباء والنقاد المهتمين بهذا النوع من القصة، وقد إلتفوا حول الأديب الناشئ فى احتفالية رائعة .

والومضة القصصية إبداع قصصي فريد من نوعه له قواعده الخاصة وأهمها أن يقوم القاص بإبداع قصته فى حجم لا يتجاوز فى الغالب السطر الواحد ، وفى كلمات قليلة ينتقيها الكاتب بعناية فهى قصة لا تحتمل ثرثرة الكلمات والإسهاب فى العرض ،والمتأمل لهذا السطر يجد أن الأديب يتعامل مع ما قل ودل من الكلمات  فى ترتيب يتحكم فيه ، حتى تبدو القصة متكاملة ولها تأثيرها فى القارئ جماليا وإجتماعياً وسياسياً فبلاغة الومضة القصصية تكمن فى الإيجاز والتجريد وقد قال الكاتب المسرحى الروسى"أنطون تشيخوف "  فيما معناه إن التجريد صنو العبقرية ، ويحقق هذا النوع للقارئ متعة كبيرة هى متعة المشاركة فى الإبداع بخياله وبمرجعياته النفسية والإجتماعية والثقافية ومن هنا يحدث تعدد القراءات للقصة الواحدة . 
قد تميز إنتاجه القصصى بالتنوع الكبير فى قصصه الثلاثمائة، وقد قام الأديب مجدى شلبى بتقديم الكتاب و بتقسيم القصص إلى أربعة أقسام :
1ـ نصوص اعتمدت لغة الهندسة و رموزها (طبيعة عمل الكاتب) في عرض الفكرةوالتعبير عنها، و يتجلى هذا واضحا في عدة ومضات قصصية منها: 
•    "رياضيات: اقتسم السعادة؛ تضاعفت."
•    "هندسة: عاش حياتَه بالطول و العرض؛ ظَلّ بلا ارتفاع."
•    "عُرْس: رَمَته بسهم؛ بادرها بقيراط."

2ـ و نصوص اعتمدت الفلسفة (ثقافة الكاتب) في عرض الفكرة و التعبير عنها، دون إغراق في الرمزية، و يتجلى هذا واضحا في عدة ومضات قصصية منها:
•    "بهتان: بحث عن الحقيقة؛ أخفته."
•    "مُعاصرة: عاد الهدهد؛ لم يجد سُليمان."
•    "تَجَرُّد: جلس مع نفسه؛ لم تعرفه."

3ـ و نصوص اعتمدت على الموروث الاجتماعي (التربية و التنشئة) في عرض الفكرة و التعبير عنها بإبداع عقلي و منطقي، و يتجلى هذا واضحا في عدة ومضات قصصية منها: 
•    "صِلَة: عقّهُ ولدهُ؛ رجعَ لِأبويهِ مُسْتَغفِراً."
•    "قوارير: كَسَرَها؛ جَرَحَته."
•    "زِنَا: قَذَفَ الكُرَة؛ اِرتدّت إليه."

4ـ و لم يكن الكاتب بمعزل عما تموج به الساحة السياسية من أعاصير و أنواء، وما يتعرض له المواطن من معاناة و مخاطر؛ فتجلى هذا واضحا في عدة ومضات قصصية منها: 
•    "طائفيّة: تنَازَعوا حَمْل الرَّايَة؛ مَزّقَتها سواعدهم."
•    "فقير: تَسَوَّلَ العلاج؛ تصدق عليه الموت."
•    "مُناضل: شنقوه؛ أخرج لهم لسانه."

  إضافة إلى ما سبق  وبقراءتى لبعض النماذج لاحظت  أن لقمانمحمد وضع لكل قصة عنوان عبارة عن كلمة واحدة وهو أمر هام لإرتباطه بالقصة؛ فتبدو الكلمة  كأنها الكلمةالمفتاح التى تساعد على توجيه القارئ.
تحت عنوان " غربة " يقص الآتى:
عاد إليهم، لم يعودوا إليه .
لم يحدد لنا القاص البطل ومواصفاته وترك لنا حرية تخيل هذه الشخصية ووضع ملامحها فالغربة  حالة إنسانية عامة ولم يحدد لنا نوع الغربة هل هى فى المكان والزمان وما أسباب تلك الغربة كل ذلك تركه لنا الأديب ليدفعنا إلى محاولة التخيل ووضع التفاصيل التى تتناسب مع مكوناتنا ، لقد عاد الغريب من غربته إلى أهله  حيث يأمل فى إزالة الغربة ولكن من أتى إليهم إنصرفوا عنه ، وهكذا ما زال يعيش الغربة ولكن فى وضع أشد قسوة إنها غربة وسط الأهل والأحباب . ولقمان فى هذه القصة النموذجية عبر بصدق وإيجاز عن تجربته الشخصية فى الغربة حيث يعمل خارج الوطن منذ فترة طويلة ومن الطبيعى أنه عانى كثيراً من الغربة لذلك نجد أن هذه القصة قادرة على توليد المعانى الكثيرة .
  وتحت عنوان " صلة "يذكر هذه القصة :
عقه ولده؛ رجع لأبويه مستغفراً.
إنها قصة ذات هدف تربوى حول عقوق الأبناء للآباء فهذا الأب العاق من إبنه أدرك الدرس من أن هذا العقوق سبق أنإرتكبه مع أبيه من قبل وهذا تحقيق للمثل الشعبى المعروف " كله سلف ودين " .
وتحت عنوان "ثقة " تأتى القصة التالية :
قالوا: شخص سيغير حياتك؛ وجده فى مرآته.
هنا رحلة بحث إنسان عن حقيقته وسعيه نحو تغيير حياته فإذا به يكتشف أنه سيجد نفسه الحائرة بنفسه وليس عن طريق الغير ؛ فعلى الإنسان أن يواجه حقيقته ويغير من ذاته.
 وفى قصة بليغة تحت عنوان " إستفهام" يقول :
إستنسخوا الماضى؛ عجزوا عن فهرسة المستقبل .
إن بطل الومضة لا نعرف ملامحه فهو كل إنسان يعيش فى الماضى ويتقوقع فيه فيتوه منه المستقبل  ولا يستطيع العيش فيه فيخسر الماضى والحاضر والمستقبل .
وفى قصته الرائعة بعنوان " طائفية " يقول كاتبنا :
تنازعوا حمل الراية؛ مزقتها سواعدهم.
إنها قصة مليئة بالحركة الدرامية والصراع السياسى والإجتماعى الطائفى إنه الصراع الذى تحكمه إنتهازية أطراف الصراع وسعيهم نحو أهداف ذاتية تتمثل بإختصار فى حمل الراية أو تملك السلطة لكن فى ظل الغوغائية يمزقون الراية وتعم الفوضى .
  ذلك الوعى السياسى يتبلور فى قصته الومضية التى تحمل عنوان "ديكتاتور " :
 حملوه على الأعناق؛حدب ظهورهم.
إن الكاتب لا يحدد لنا هوية الديكتاتور أو من يحملونه على أعناقهم إنهم أى شعب يصنع من حاكمه ديكتاتوراً وحاكماًمطلقاً إن الشعوب صانعوا طغاتهم مثلما حدث فى إيطاليا وديكتاتورها موسولينى وفى ألمانيا وحاكمها المطلق هتلر وكان مصير هذه الشعوب القضاء على معارضي الديكتاتورية وعلى الديموقراطية . إن الناس اللذين صنعوا الديكتاتور سوف تنكسر أعناقهم ويصيبها التشوه والعجز. فالديكتاتور لا يهمه سوى البقاء وحده .
ويبتعد قليلاً عن السياسة ليدخل فى الرومانسية ويعالج الود والحنان الإنسانيين فى قصته الومضية " ملكة ":
جمع لها باقة ورد؛ أهدته عسلاًمصفى.
وهكذا يستمر لقمان محمد فى إبداعه وومضاته الحياتية التى يلتقطها من الواقع ليعبر لنا عن همومنا وأفراحنا ومشاكلنا ومعاناتنا  يلتقط الومضة بذكاء وتركيز وتكثيف يتناسب مع إيقاع الحياة اللاهث ، الذى لا يترك للناس فرصة التأمل والإستغراق فى الوصف الطويل .
قدم لقمان محمد تجربته القصصية الأولى وقد أثرت فيه الغربة فى الخارج تأثيراً كبيراً . لقد مر فعلاًبالغربة والإغتراب سنوات طويلة ؛ مما ولد لديه معاناة طويلة وخبرة عميقة  بالبشر على إختلاف مشاربهم وأجناسهم وأفكارهم وقد إنعكس كل ذلك فى ومضاته القصصية . وبذلك تجاوز لقمان الغربة تجاوزا إبداعياً إيجابياً.فى كلمات رشيقة لها دلالاتها النفسية والإجتماعية والسياسية والدينية .
 إن الومضة القصصية تعتمد على التجريد أى التركيز على الجوهر وحذف الكثير من التفاصيل التى يترك للمتلقى حرية التخيل لإكمال التفاصيل وبذلك يكون المتلقى مشتركاً إيجابياً متفاعلاً فالكاتب يهتم بالتركيز على بداية القصة ثم ينتقل مباشرة إلى الخاتمة أو النتيجة .
إننا ننتظر من كاتبنا الكثير من الإبداع الأدبى فى الأيام القادمة .

 بقلم
ا.د. مصطفى يوسف منصور
أستاذ قسم النقد والدراما