الصباح العربي

السوق المالي السعودي على أعتاب مرحلة جديدة بعد فتحه أمام المستثمرين الأجانب

الإثنين 12 يناير 2026 10:30 صـ 23 رجب 1447 هـ
السوق المالي السعودي على أعتاب مرحلة جديدة بعد فتحه أمام المستثمرين الأجانب

شهدت السوق السعودية خلال الأيام الماضية تطورًا مفصليًا أعاد الزخم إلى التداولات وحرّك المؤشرات بقوة، بعدما أعلنت هيئة السوق المالية فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب. هذا القرار انعكس سريعًا على أداء المؤشر العام، الذي سجل أكبر مكاسب يومية منذ سبتمبر الماضي، في إشارة واضحة إلى حجم الترقب والثقة التي يحملها المستثمرون تجاه هذه الخطوة. ويأتي هذا التحول في سياق أوسع يشهده السوق المالي السعودي ضمن مسار انفتاح أوسع يهدف إلى تعزيز مكانته بين الاسواق المالية العالمية واستقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل.

قفزة قوية في مؤشر تاسي

مع افتتاح جلسة التداول، ارتفع مؤشر “تاسي” بنحو 2.5% مخترقًا مستوى 10500 نقطة بعد ثلاث جلسات متتالية دون هذا الحاجز النفسي المهم. ورغم تراجعه لاحقًا بشكل طفيف ليستقر قرب 10460 نقطة، فإن القراءة العامة للجلسة عكست موجة شراء واسعة شملت معظم الأسهم المدرجة. فقد ارتفعت أسعار نحو 260 شركة، مقابل تراجع ثلاث شركات فقط، وهو ما يعكس حالة تفاؤل جماعي بالقرار الجديد.

هذا الأداء القوي لم يكن مدفوعًا بسهم أو قطاع واحد، بل جاء نتيجة تحسن شامل في معنويات السوق، مدعومًا بتوقعات تدفقات أجنبية إضافية خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب موعد التطبيق الفعلي للقرار في شهر فبراير.

لماذا يُعد القرار تاريخيًا؟

يرى محللون أن فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب يمثل أحد أهم القرارات التنظيمية خلال العقد الأخير. فبعد أن كان الدخول مقتصرًا على المستثمرين الأجانب المؤهلين واتفاقيات المبادلة، أصبح الاستثمار المباشر متاحًا اليوم أمام شريحة أوسع من المؤسسات والأفراد الدوليين.

هذا التحول يعني عمليًا:

  • توسيع قاعدة المستثمرين بشكل غير مسبوق

  • رفع مستويات السيولة اليومية في السوق

  • تحسين كفاءة التسعير وتقليص الفجوة بين القيمة السوقية والعادلة

  • تعزيز حوكمة الشركات والشفافية

كما أن إلغاء مفهوم “المستثمر الأجنبي المؤهل” يخفف من القيود الإجرائية، ويجعل السوق أكثر جاذبية مقارنة بأسواق ناشئة أخرى ما زالت تفرض شروطًا معقدة على المستثمرين الدوليين.

القطاعات الأكثر استفادة

بحسب آراء عدد من المحللين، من المتوقع أن تكون بعض القطاعات في مقدمة المستفيدين من هذه الخطوة، سواء على المدى القصير أو المتوسط. وتشمل هذه القطاعات:

  • الرعاية الصحية: لما تتمتع به من نمو مستدام وجاذبية للمستثمر المؤسسي طويل الأجل.

  • الاتصالات وتقنية المعلومات: بسبب ارتباطها المباشر بالتحول الرقمي والنمو الاقتصادي.

  • البنوك: كونها المستفيد الأول من زيادة السيولة وتوسع النشاط الاستثماري.

  • الطاقة والقطاع العقاري: لما لهما من وزن ثقيل في المؤشر العام وفرص نمو مستقبلية.

هذا التنوع القطاعي يقلل من مخاطر التركّز، ويجعل السوق أكثر توازنًا في مواجهة التقلبات.

أرقام الملكية الأجنبية ودلالاتها

تشير البيانات الرسمية إلى أن ملكية المستثمرين الأجانب في السوق السعودية تجاوزت 590 مليار ريال بنهاية الربع الثالث من عام 2025، فيما بلغت الاستثمارات الدولية في السوق الرئيسية نحو 519 مليار ريال، مقارنة بنحو 498 مليار ريال بنهاية عام 2024. هذه الزيادة تعكس اهتمامًا متناميًا بالسوق حتى قبل صدور القرار الأخير.

ويملك الأجانب اليوم حصصًا متفاوتة في 366 شركة من أصل 368 مدرجة في السوقين الرئيسية والموازية، مع وجود 33 شركة تتجاوز فيها ملكيات الأجانب 10% من رأس المال، إضافة إلى شركات تضم مستثمرين أجانب استراتيجيين.

خطوة تفتح الباب لما هو أكبر

رغم أهمية القرار الحالي، فإن أنظار المستثمرين تتجه أيضًا إلى خطوة أخرى مرتقبة، تتمثل في رفع سقف ملكية الأجانب في الشركات المدرجة، والذي يبلغ حاليًا 49%. وتشير تقديرات مؤسسات مالية عالمية إلى أن رفع هذا السقف إلى 100% قد يجذب تدفقات أجنبية تصل إلى أكثر من 10 مليارات دولار.

في حال إقرار هذا التعديل، ستكون السوق السعودية أمام مرحلة جديدة من الانفتاح، قد تعزز مكانتها كمركز مالي إقليمي، وتزيد من وزنها في المؤشرات العالمية، وهو ما ينعكس إيجابًا على تدفقات الصناديق الاستثمارية الدولية.

أثر القرار على المستثمر المحلي

بالنسبة للمستثمر المحلي، لا يعني فتح السوق للأجانب مزاحمة سلبية بالضرورة، بل قد يحمل فوائد متعددة، أبرزها:

  • تحسين مستويات السيولة وسهولة التخارج

  • ارتفاع جودة التحليل والتغطية البحثية للأسهم

  • استقرار أكبر في الأسعار على المدى الطويل

  • زيادة فرص الشراكات والاستثمارات الاستراتيجية

غير أن ذلك يتطلب من المستثمرين الأفراد وعيًا أكبر بإدارة المخاطر، والتمييز بين الارتفاعات المدفوعة بالعوامل الأساسية وتلك الناتجة عن المضاربات قصيرة الأجل.

ختاما

يمثل فتح السوق السعودية أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب نقطة تحول مهمة في مسار تطوير السوق المالية. فالقرار لا يقتصر على أثره اللحظي في المؤشر، بل يحمل في طياته تغييرات هيكلية تمتد لسنوات، من حيث السيولة، والحوكمة، وجاذبية السوق عالميًا. ومع ترقب قرارات تنظيمية مكملة، تبدو المرحلة المقبلة واعدة، لكنها في الوقت ذاته تتطلب قراءة متأنية واستثمارًا مبنيًا على فهم عميق لمتغيرات السوق الجديدة.