الصباح العربي

حصار ”التغريدات” والبوارج: هل ينجح ترامب في إغلاق شريان العالم؟

الإثنين 20 أبريل 2026 10:13 مـ 3 ذو القعدة 1447 هـ
حصار ”التغريدات” والبوارج: هل ينجح ترامب في إغلاق شريان العالم؟

تبدو الأجواء في عام 2026 وكأنها مشهد معاد من "فيلم قديم" سيئ الإخراج؛ حيث قرر ساكن البيت الأبيض، دونالد ترامب، أن يلقي بآخر أوراقه في لعبة القمار السياسية بعد تعثر محادثات السلام مع طهران. إن إعلان فرض حصار بحري على مضيق هرمز ليس مجرد قرار سياسي، بل هو محاولة بائسة للي ذراع الجغرافيا التي لا تفهم لغة "الصفقات العقارية".

عقارات ترامب وجغرافيا هرمز

بينما كان العالم ينتظر دخان السلام الأبيض من قاعات المفاوضات، خرج ترامب ليعلن "الحصار البحري" وكأنه يغلق مدخلاً لأحد أبراج "ترامب تاور" وليس أهم ممر مائي على كوكب الأرض. هذا القرار، الذي يفتقر لأي غطاء قانوني دولي، يبدو وكأنه صرخة في وادٍ سحيق، فمن الناحية العسكرية، يتطلب فرض حصار كامل على هرمز قوة بحرية هائلة تتجاوز قدرة الأساطيل الأمريكية المنهكة، ناهيك عن التبعات الاقتصادية التي ستجعل من "أمريكا أولاً" شعاراً للتضخم والركود.

عبثية "الحصار" في جغرافيا معقدة

من المثير للسخرية أن يعتقد صانع القرار في واشنطن أن بإمكانه "تأميم" مياه دولية مشتركة بقرار أحادي. فالمضيق، الذي تتقاسم السيادة عليه سلطنة عمان وإيران، يخضع لاتفاقيات دولية تضمن "المرور العابر". إن محاولة فرض حصار بحري في هذه المنطقة تشبه محاولة إيقاف النهر بوضع أصبع واحد في مجراه؛ فالسفن الناقلة للنفط والغاز لا تملك وقتاً لانتظار مزاجية البيت الأبيض، والأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين، لن تقف متفرجة وهي ترى "رئتها الاقتصادية" تُخنق بقرار من وراء المحيطات.

إحياء "فوبيا" الأسعار

يا للمفارقة، فبينما يريد ترامب معاقبة طهران، فإنه بقراره هذا يقدم لها أكبر خدمة مجانية؛ حيث ترتفع أسعار النفط لمستويات جنونية بمجرد التلميح للحصار. إن أهمية مضيق هرمز الحقيقية تكمن في كونه "صمام أمان" لا يتحمل المغامرات الصبيانية:

  • بورصات تحترق: بمجرد صدور القرار، اشتعلت شاشات التداول باللون الأحمر، مما يثبت أن العالم يثق في "قوة الجغرافيا" أكثر من ثقته في "قوة الحصار" المزعوم.
  • تحالفات تنهار: هذا القرار وضع حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا في مأزق أخلاقي واقتصادي؛ فكيف يمكنهم دعم حصار سيؤدي حتماً إلى شل صناعاتهم الوطنية؟
  • الغاز القطري والنفط الخليجي: الحصار لا يمس إيران وحدها، بل هو طعنة في ظهر "الأصدقاء" الذين يعتمدون على هذا الممر لتصدير ثرواتهم، مما يجعل واشنطن تبدو وكأنها تحارب الجميع بلا استثناء.

سيناريوهات "ترامب" الفاشلة في مياه الفيروز

في ظل هذا الإعلان المتغطرس، لا يخرج الواقع عن ثلاثة مسارات، أحلاها مرّ بالنسبة للإدارة الأمريكية:

1. سيناريو "الحصار الورقي"

أن يظل القرار مجرد أداة إعلامية للضغط دون تطبيق فعلي على الأرض، خوفاً من الصدام مع بكين أو موسكو. في هذه الحالة، سيفقد "التهديد الأمريكي" ما تبقى من هيبته، ويتحول الحصار إلى نكتة يتداولها البحارة في موانئ الخليج.

2. المواجهة البحرية "المجانية"

أن يحاول الأسطول الخامس اعتراض السفن، وهو ما سيؤدي إلى رد فعل إيراني قد يشمل إغلاق المضيق بالكامل عبر الألغام أو الصواريخ البرية. هنا، لن يكون الخاسر إيران وحدها، بل سيهوي الاقتصاد الأمريكي في دوامة من التضخم قد تطيح بترامب نفسه قبل انتهاء ولايته.

3. "التمرد الدولي" على واشنطن

أن ترفض القوى العالمية الالتزام بالحصار، وتستمر السفن في العبور بحماية صينية أو دولية مشتركة. هذا السيناريو سيكرس نهاية "القطب الواحد" ويعلن صراحة أن التحكم في مياه المنطقة لم يعد "امتيازاً أمريكياً".

استهزاء بالجغرافيا.. أم انتحار سياسي؟

من المضحك أن ترامب، الذي يفتخر بكونه "رجل الصفقات"، لم يدرك بعد أن الجغرافيا لا تبيع ولا تشتري. الحصار البحري على ممر يعبر منه خُمس نفط العالم هو قرار لا يصدر إلا عمن يعيش في فقاعة من "العظمة المتوهمة". إن إيران، التي عاشت تحت العقوبات لعقود، لن يرهبها حصار بحري سيعاني منه المواطن في "أوهايو" قبل أن يعاني منه المواطن في "طهران".

في النهاية

لقد حوّل ترامب بقراره الأخير مضيق هرمز من ممر تجاري إلى مسرح للعبث السياسي. إن فشل محادثات السلام لا يبرر المقامرة بأمن الطاقة العالمي، والاستمرار في نهج "البلطجة البحرية" لن يؤدي إلا إلى عزلة واشنطن. في النهاية، ستظل مياه هرمز تجري، وستظل السفن تعبر، وسيبقى التاريخ يذكر أن هناك رئيساً حاول حبس البحر خلف قضبان "تغريدة"، فاكتشف أن البحر لا قضبان له، وأن الجغرافيا دائماً ما تضحك أخيراً.