الصباح العربي

طهران وواشنطن بين حافة الانفجار العسكري وفرص التسوية الدبلوماسية

الأربعاء 20 مايو 2026 09:09 صـ 3 ذو الحجة 1447 هـ
طهران وواشنطن بين حافة الانفجار العسكري وفرص التسوية الدبلوماسية

تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر فتراتها حرجاً وتعقيداً، حيث تتأرجح السيناريوهات بين الانفجار العسكري الشامل والتهدئة الدبلوماسية المؤقتة. وفي قلب هذه الأحداث، تتسارع المتغيرات السياسية داخل طهران، وهو ما بدا واضحاً في أحدث أخبار مسعود بيزشكيان الذي أعلن عن عقده اجتماعاً مطولاً استمر لساعتين ونصف مع المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. 

هذا اللقاء، الذي يعد الأول من نوعه الملعن عنه رسمياً بين الطرفين، يأتي في وقت حساس للغاية تشهده البلاد، وسط تقارير دولية تتحدث عن كواليس الخلافات والترتيبات العسكرية والسياسية، بالتزامن مع استعدادات أميركية وإسرائيلية مكثفة لاحتمالية استئناف المواجهة العسكرية.

 

كواليس لقاء بيزشكيان والمرشد الجديد

اتسم اللقاء الذي جمع الرئيس الإيراني بالمرشد مجتبى خامنئي بالصراحة والمكاشفة المطلقة، وفقاً لما صرح به بيزشكيان نفسه، حيث دعا إلى تعزيز الوحدة والثقة المتبادلة والتضامن داخل هيكل القيادة الإيرانية. وتأتي أهمية هذا اللقاء من عدة جوانب:

  • الظهور الأول غير المباشر: لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ توليه منصب المرشد خلفاً لوالده علي خامنئي في مارس الماضي، وكانت كل خطاباته تُقرأ عبر التلفزيون الرسمي.
  • الوضع الصحي للمرشد: تشير التقارير إلى أن مجتبى خامنئي ما زال يتعافى من إصابات بالغة في الوجه والساق، أُصيب بها جراء غارة جوية استهدفت مجمع المرشد في وسط طهران، وهي الغارة التي أودت بحياة والده.
  • إدارة الأزمات عن بُعد: رغم الإصابات الجسدية، يؤكد المقربون من دائرة القرار أن المرشد الجديد يتمتع بقدرات ذهنية عالية، ويدير الاجتماعات الاستراتيجية عبر المؤتمرات الصوتية، بما في ذلك ملف المفاوضات مع واشنطن.

 

التصعيد العسكري: خيارات واشنطن وتل أبيب

على المقلب الآخر، كشفت تقارير صحفية دولية أن البنتاجون يستعد بجدية لاحتمالية استئناف عملية "الغضب الملحمي" (حرب إيران)، والتي كانت قد توقفت مؤقتاً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف إطلاق النار في السابع من أبريل الماضي.

تتزامن هذه الاستعدادات مع تحركات إسرائيلية مكثفة، حيث أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصالاً هاتفياً بترمب لبحث الخيارات العسكرية المتاحة. وتتركز الخطة الإسرائيلية، في حال الحصول على الضوء الأخضر الأميركي، على ضرب أهداف حيوية واستراتيجية تشمل بنية الطاقة التحتية في إيران، بهدف الضغط عليها ودفعها لتقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات.

غير أن الخبراء العسكريين يجمعون على أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لإجبار طهران على الانصياع الكامل للمطالب الأميركية، لما تمتلكه إيران من عمق استراتيجي وقدرات دفاعية وهجومية قادرة على إرباك الحسابات.

 

مسار المفاوضات: هل نرى وثيقة تسوية صلبة؟

رغم قرقعة السلاح والتهديدات المتبادلة، يبدو أن القنوات الدبلوماسية الخلفية لم تتوقف عن العمل. فقد أعلنت طهران عن تسليم مقترح معدل إلى الولايات المتحدة عبر الوسيط الباكستاني في إسلام آباد. وتتضمن المناقشات الحالية محاولة صياغة مذكرة تفاهم ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتنهي حالة الحرب.

ولكن الطريق نحو هذا الاتفاق ليس مفروشاً بالورود، بل تحكمه تعقيدات بالغة:

  1. شروط طهران الخمسة: وضعت إيران خمسة شروط أساسية للعودة إلى المفاوضات، رداً على خمسة طلبات قدمتها واشنطن، مؤكدة أنها لن تقدم تنازلات دون الحصول على امتيازات ملموسة وواضحة.
  2. المطالب الأميركية والمبالغة: يرى الجانب الإيراني أن غياب الإرادة الأميركية الحقيقية والمبالغة في الشروط هما السبب الرئيسي وراء تعثر الوصول إلى اتفاق نهائي حتى الآن.
  3. موقف ترمب المتأرجح: من جانبه، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن إيران "تتوق" لتوقيع اتفاق لإنهاء الحرب، لكنه انتقد أسلوبها في التفاوض، مشيراً إلى أن طهران ترسل وثائق وصياغات مكتوبة تبتعد تماماً عن الخطوط العريضة والتفاهمات المبدئية التي يتم تداولها خلف الكواليس عبر الوسيط الباكستاني.

الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة

لا تنفصل التطورات العسكرية والسياسية عن الأوضاع الداخلية في واشنطن. فقد أظهرت استطلاعات الرأي الحديثة تراجعاً ملحوظاً في شعبية الرئيس ترمب لتصل إلى أدنى مستوياتها عند سبعة وثلاثين بالمئة.

ويعتقد غالبية الناخبين الأميركيين أن قرار الذهاب إلى الحرب مع إيران كان خاطئاً ولا يستحق التكلفة الباهظة، خاصة في ظل المخاوف الاقتصادية المتصاعدة ونظرة التشاؤم تجاه المستقبل الاقتصادي للبلاد، مما يضع الحزب الجمهوري في موقف سياسي معقد وقلق قبيل انتخابات التجديد النصفي.

 

ميزان القوى والردع الإيراني

تسعى الأطراف الإقليمية والدولية لمعرفة هل من الممكن أن نرى اتفاقاً سياسياً يعيد المنطقة إلى مربع الاستقرار، أم سنشهد حرباً تأكل الأخضر واليابس؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل ترتبط بفهم طبيعة الخصم الإيراني؛ فطهران ليست خصماً يسكت على الاعتداءات، وهو ما أثبتته بوضوح ترسانتها من الصواريخ الباليستية العابرة للدول والمدن والتي استُخدمت سابقاً لتوجيه رسائل ردع مباشرة. هذا التوازن الصاروخي يجعل أي قرار باستئناف الحرب مغامرة غير مأمونة العواقب لجميع الأطراف.

 

في النهاية

تظل منطقة الشرق الأوسط معلقة بين ديبلوماسية الصفقات الصعبة وخيارات المواجهة العسكرية المفتوحة. إن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد المسار؛ فإما أن تغلب لغة العقل وتؤدي المفاوضات الجارية في إسلام آباد إلى صياغة اتفاق شامل يضمن التهدئة، أو أن تندفع المنطقة نحو جولة جديدة من الصراع العسكري الشامل الذي قد يغير خريطة التحالفات الإقليمية بالكامل.