دراسة للباحث محمد صوفان تكشف فجوة بين أخبار الحرب وما يبحث عنه اللبنانيون
كشفت دراسة أعدها الباحث الحاسوبي ومهندس البرمجيات محمد صوفان عن فجوة لافتة بين ما ركزت عليه التغطية الإعلامية عن لبنان خلال الحرب، وبين الموضوعات التي كان اللبنانيون يبحثون عنها فعليًا عبر محرك «جوجل»، في مؤشر على اختلاف محتمل بين أولويات الأخبار واهتمامات الجمهور أثناء الأزمات.
واعتمدت الدراسة على مقارنة آلاف المواد الإخبارية المنشورة عن لبنان ببيانات البحث داخل البلاد، لرصد ما إذا كانت الموضوعات التي تصدرت التغطية الإعلامية تعكس بالقدر نفسه القضايا التي شغلت الناس في حياتهم اليومية. وأظهرت النتائج أن الصراع احتل موقعًا طاغيًا في الأخبار، بينما توزعت اهتمامات البحث على نطاق أوسع شمل الاقتصاد وظروف المعيشة والهجرة إلى جانب تطورات الحرب.
وتثير هذه الفجوة سؤالًا يتجاوز الحالة اللبنانية نفسها: هل تعكس أجندة وسائل الإعلام دائمًا ما يعتبره الجمهور الأكثر إلحاحًا في أوقات الأزمات؟ أم أن ما يصنع الخبر العاجل يختلف أحيانًا عما يدفع الناس إلى فتح محرك البحث ومحاولة فهم ما سيحدث لأعمالهم ومعيشتهم ومستقبلهم؟
كيف قارن محمد صوفان بين التغطية الإعلامية وعمليات البحث في لبنان؟
لرصد هذه الفجوة، قارنت الدراسة بين مسارين يتحركان عادة بصورة منفصلة: ما تنشره وسائل الإعلام عن لبنان، وما يبحث عنه الأشخاص داخل لبنان عبر «جوجل». وشملت الفترة شهر مارس 2026، في وقت كانت فيه التطورات المرتبطة بالحرب تفرض نفسها بقوة على المشهد الإخباري.
وانطلقت الدراسة من قاعدة ضمت 11,623 مادة إخبارية باللغة الإنجليزية ذُكر فيها لبنان، قبل تصفية المحتوى واستبعاد المواد غير ذات الصلة وتكراراتها، وصولًا إلى 1,894 مادة إخبارية أُدرجت في التحليل، بعد تصنيف عناوينها، استُخدمت في المقارنة النهائية. وفي الجانب الآخر، استُخدمت بيانات «Google Trends» لقياس اتجاهات البحث داخل لبنان خلال الفترة نفسها.
لكن المقارنة كشفت عن اختلاف كبير في توزيع الاهتمام. فقد استحوذت موضوعات الصراع على 94.9% من التغطية الإخبارية المصنفة، في حين لم تمثل سوى 36.9% من اهتمام البحث الذي قاستْه الدراسة. وبذلك، لم تكن الفجوة مجرد اختلاف بسيط في ترتيب الأولويات، بل فرقًا واسعًا بين الصورة التي هيمنت على الأخبار والصورة التي ظهرت عند النظر إلى ما كان الناس يحاولون الوصول إليه بأنفسهم عبر محرك البحث.
ولا يعني ذلك أن الحرب لم تكن في صدارة اهتمامات اللبنانيين، فهي بقيت جزءًا رئيسيًا منها، لكنه يشير إلى أن الحياة داخل الأزمة كانت أوسع من الحدث العسكري نفسه. أما طبيعة الاهتمامات الأخرى التي ملأت هذه المساحة، وحجم حضورها مقارنة بما حصلت عليه في الأخبار، فتظهر صورة أكثر تفصيلًا لما كان يشغل الناس خلال تلك الفترة.
الحرب تتصدر الأخبار واللبنانيون يبحثون عن الاقتصاد والمعيشة والهجرة
حين انتقلت الدراسة من صورة التغطية العامة إلى تفاصيل ما كان الناس يبحثون عنه داخل لبنان، ظهرت الفجوة بصورة أوضح. فاهتمامات البحث لم تتجمع حول تطورات الصراع وحدها، بل توزعت على قضايا تمس الحياة اليومية مباشرة، من الاقتصاد إلى ظروف المعيشة والهجرة.
وشكّل الاقتصاد 24.6% من اهتمام البحث الذي قاستْه الدراسة، مقابل 0.4% فقط من التغطية الإخبارية المصنفة. أما ظروف المعيشة فاستحوذت على 25.8% من البحث، بينما لم تتجاوز حصتها 3.5% من الأخبار. وظهرت الهجرة كذلك بحصة بلغت 12.7% من اهتمام البحث مقابل 1.2% من التغطية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن اهتمام الناس أثناء الحرب لم يكن منفصلًا عن الحدث، لكنه امتد إلى الأسئلة التي يفرضها الحدث على تفاصيل الحياة نفسها: ماذا يحدث للعملة؟ كيف تتأثر تكاليف المعيشة؟ وما الخيارات المتاحة لمن يفكر في السفر أو المغادرة؟
واللافت أن البحث عن الاقتصاد وظروف المعيشة لم يظهر فقط في لحظات التصعيد الكبرى، بل ظل مرتفعًا على امتداد الشهر، ما يوحي بأن هذه الاهتمامات كانت مستمرة وليست مجرد رد فعل مؤقت على خبر عسكري بعينه.
وبهذه الصورة، تبدو الأزمة على محرك البحث مختلفة جزئيًا عن صورتها في العناوين الإخبارية: الحرب تحدد المشهد العام، لكن داخل هذا المشهد تستمر أسئلة الناس عن كيفية العيش خلاله وما الذي قد يأتي بعده.
لماذا تختلف أولويات التغطية الإعلامية عن اهتمامات الجمهور في لبنان؟
قد تبدو الفجوة للوهلة الأولى وكأنها تعكس قصورًا في التغطية، لكن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك. فوسائل الإعلام ومحركات البحث لا تؤديان الوظيفة نفسها، ولا تكشفان النوع نفسه من الاهتمام.
في أوقات الحرب والأزمات، تميل المؤسسات الإخبارية بطبيعتها إلى إعطاء الأولوية للتطورات العاجلة والقرارات السياسية والتحركات العسكرية، لأنها أحداث تحمل قيمة خبرية مرتفعة وتتغير بسرعة وقد تؤثر في مسار الأزمة بأكملها. ولهذا قد يحتل تطور واحد على الجبهة مساحة واسعة من التغطية خلال يوم كامل.
أما سلوك البحث فيعكس حاجة مختلفة. فالشخص الذي يعيش داخل الأزمة قد يكون متابعًا للأحداث السياسية والعسكرية، لكنه يفتح «جوجل» عندما يحتاج إلى إجابة أكثر ارتباطًا بحياته: ماذا يحدث للأسعار؟ هل تغير سعر الصرف؟ ما وضع السفر؟ وما الذي تعنيه الأزمة لعمله أو قدرته على البقاء في البلاد؟
بهذا المعنى، لا يعني اختلاف الأولويات أن التغطية الإعلامية «خاطئة» أو أن بيانات البحث تقدم صورة مكتملة عن الجمهور. بل يكشف كل منهما جانبًا مختلفًا من المشهد: الأخبار ترصد ما يحدث، بينما قد تكشف عمليات البحث جانبًا مما يحاول الناس فهمه أو التعامل معه بأنفسهم
وفي تحليل نشره على موقعه حول نتائج الدراسة، كتب صوفان:
«قد تلتقط التغطية الإعلامية الأحداث الأكثر ظهورًا، لكنها لا تعكس بالضرورة النطاق الكامل لاهتمامات الجمهور».
وتصبح هذه المسافة أكثر أهمية خلال الأزمات الطويلة، حين لا يعود اهتمام الجمهور مقتصرًا على معرفة ما حدث، بل يمتد إلى محاولة فهم كيف سيؤثر ما حدث في تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تتحول الفجوة بين العناوين وما يبحث عنه الناس من مجرد اختلاف في الموضوعات إلى سؤال أوسع حول مدى قدرة التغطية على مواكبة الحياة التي تستمر داخل الأزمة نفسها.
ماذا تعني الفجوة بين الإعلام واهتمامات الجمهور أثناء الأزمات؟
لا تعني نتائج الدراسة أن وسائل الإعلام مطالبة بتقليل اهتمامها بالحرب أو التطورات السياسية والعسكرية، فهذه تبقى في صلب العمل الإخباري خلال الأزمات. لكنها تشير إلى أن الصورة التي يحتاجها الجمهور قد تكون أوسع من الحدث العاجل نفسه.
فإلى جانب متابعة ما يحدث على الأرض، يحتاج الناس أيضًا إلى معلومات تساعدهم على التعامل مع تبعات الأزمة: الاقتصاد، تكاليف المعيشة، فرص العمل، السفر، والهجرة. وهذه الموضوعات قد لا تحمل دائمًا الإلحاح نفسه الذي تحمله التطورات العسكرية، لكنها قد تكون أكثر التصاقًا بالقرارات اليومية التي يواجهها الأفراد.
ومن هنا يمكن لبيانات البحث أن تؤدي دورًا مكملًا في العمل التحريري، لا بوصفها بديلًا عن التقدير الصحفي، بل باعتبارها مؤشرًا إضافيًا إلى الأسئلة التي يحاول الجمهور العثور على إجابات عنها. فمعرفة ما يبحث عنه الناس قد تساعد غرف الأخبار على اكتشاف موضوعات مهمة لا تصل بالضرورة إلى صدارة الأجندة التقليدية.
وتطرح هذه الفكرة سؤالًا مهمًا أمام المؤسسات الإعلامية أثناء الأزمات الممتدة: هل يكفي أن تخبر الجمهور بما يحدث، أم أن جزءًا من دورها يتمثل أيضًا في مساعدته على فهم ما يعنيه ذلك لحياته؟
وتبقى نتائج الدراسة مرتبطة بحدودها المنهجية؛ فهي تقارن عينة من التغطية الإخبارية باللغة الإنجليزية ببيانات بحث مجمعة داخل لبنان، ولا تفترض أن «جوجل» يمثل الرأي العام بأكمله أو أن حجم البحث يحدد ما يجب على الصحافة نشره. لكن الفجوة التي رصدتها تقدم إشارة تستحق الانتباه إلى أن قصة الأزمة كما تُروى في الأخبار قد لا تكون مطابقة تمامًا لقصة الأزمة كما يعيشها الناس ويبحثون عنها يوميًا.
وفي المحصلة، تبرز الدراسة قيمة النظر إلى التغطية الإعلامية واهتمامات البحث بوصفهما نافذتين مختلفتين على الأزمة نفسها. فالأولى تكشف ما تتعامل معه المؤسسات الإخبارية باعتباره حدثًا يستحق المتابعة، بينما تعكس الثانية جانبًا من الأسئلة العملية التي يحاول الناس الإجابة عنها بأنفسهم.
وتفتح هذه المقارنة مجالًا لاستخدام بيانات البحث مستقبلًا كأداة مساعدة لفهم اهتمامات الجمهور المعلوماتية بصورة أدق، إلى جانب المؤشرات التحريرية التقليدية. فخلال الأزمات، قد تكون معرفة ما يبحث عنه الناس مهمة بقدر معرفة ما يتصدر العناوين، خصوصًا حين تتحول تداعيات الحدث من قصة إخبارية إلى تفاصيل يومية تمس حياة الأفراد مباشرة.

