جدل واسع عقب تصريحات ترمب بشأن توحيد إيرلندا خلال زيارته إلى دبلن
أثارت تصريحات أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارة إلى العاصمة الأيرلندية دبلن موجة واسعة من الجدل السياسي، بعدما قال إنه "يود" رؤية إيرلندا موحدة، في تصريح جاء خلال لقاء جمعه برئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن. ويأتي هذا الموقف ضمن سلسلة من التصريحات والمواقف اللافتة التي دأب الرئيس الأميركي على الإدلاء بها خلال جولاته الخارجية، وهو ما جعل متابعة أخبار دونالد ترمب أمراً يحظى باهتمام متزايد لدى المراقبين في الداخل الأميركي وخارجه على حد سواء.
ماذا قال ترمب في دبلن
خلال حديثه للصحافيين، وهو يجلس إلى جانب رئيس الوزراء الأيرلندي عقب اجتماعهما، قال ترمب: "حسناً، لا أريد التسبب في أي مشاكل، لكنني سأقول لكم إنني أود رؤيتها موحدة"، مضيفاً: "سيحدث ذلك في نهاية المطاف.. وأعتقد أنه سيكون أمراً رائعاً". وفي وقت لاحق من الزيارة، أشار الرئيس الأميركي إلى أنه "لا توجد إجابة مثالية" للسؤال المتعلق بالوحدة الأيرلندية، لكنه كرر اعتقاده بأن ذلك سيكون "أمراً رائعاً للغاية"، مع الإقرار بأن "المملكة المتحدة سيكون لها رأي في هذا الشأن".
رد فعل الحكومة البريطانية
على خلفية هذه التصريحات، أكد متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء البريطاني أن موقف آندي بيرنام من مسألة توحيد إيرلندا لم يتغير. وردّاً على أسئلة طرحها نواب في البرلمان بشأن احتمال إجراء استفتاء حول الحدود في إيرلندا الشمالية، قال بيرنام: "لا علم لي بوجود تأييد شعبي من الأغلبية لإجراء استفتاء جديد، ولن يتم إجراء أي استفتاء ما لم يتغير هذا الوضع".
احتجاجات وردود فعل متباينة في إيرلندا الشمالية
تزامنت الزيارة مع تجمع حشود كبيرة في وسط دبلن للاحتجاج، إذ حمل المشاركون في مسيرة انطلقت من "حديقة الذكرى" لافتات وأعلاماً وهتفوا: "دونالد ترمب، هل تسمعنا؟ لا نريدك هنا"، بحسب ما نقلته شبكة "سكاي نيوز" البريطانية. كما أثارت تصريحات ترمب رد فعل حاداً من الوحدويين المؤيدين لبريطانيا في إيرلندا الشمالية، حيث رفض زعيم الحزب الديمقراطي الوحدوي، جافن روبنسون، توقعات الرئيس الأميركي، معتبراً أن التوحيد سيؤدي إلى "تدمير بلادنا". وكتب روبنسون، الذي سبق أن أعلن دعمه علناً لترمب، عبر منصة "إكس": "إن المستقبل الدستوري لإيرلندا الشمالية سيحدده شعب إيرلندا الشمالية، وليس التعليقات الصادرة من لندن أو دبلن أو واشنطن".
خلفية الزيارة واللقاءات الرسمية
تستغرق زيارة ترمب إلى إيرلندا نحو 48 ساعة، وتأتي في وقت يسعى فيه حزبه الجمهوري للحفاظ على أغلبيته في مجلسي الكونجرس الأميركي، ومن المقرر أن يحضر الرئيس الأميركي بطولة للجولف في أحد منتجعاته. كما التقى ترمب بالرئيسة الأيرلندية كاثرين كونولي، المنتخبة للمنصب العام الماضي، والتي كانت قد شاركت في احتجاج ضد ترمب خارج مطار شانون غرب إيرلندا خلال زيارته الأولى للبلاد بصفته رئيساً عام 2019.
بعيداً عن هذه الزيارة تحديداً، تتناول العديد من التغطيات الإعلامية سيرة الرئيس الأميركي ومسيرته السياسية، إذ يبحث كثيرون عن إجابة على سؤال من هو دونالد ترامب لفهم خلفيته كرجل أعمال عقاري ونجم تلفزيون واقع قبل دخوله معترك السياسة، وما رافق مسيرته لاحقاً من محطات سياسية وقانونية بارزة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها.
اتفاق الجمعة العظيمة وخلفية القضية
تُشكّل قضية توحيد إيرلندا ملفاً حساساً تاريخياً، إذ حرص الرؤساء الأميركيون السابقون، بمن فيهم من لديهم جذور أيرلندية مثل جو بايدن، على التزام الحياد بشأنها. وتشمل أبرز الحقائق المرتبطة بالملف ما يلي:
- لعبت الحكومة الأميركية دوراً رئيسياً في التوسط لإبرام اتفاق السلام عام 1998، المعروف باسم "اتفاق الجمعة العظيمة" أو "اتفاق بلفاست".
- بموجب بنود الاتفاق، لا يمكن إجراء استفتاء حول خروج إيرلندا الشمالية من المملكة المتحدة إلا بقرار من الحكومة البريطانية.
- أنهى الاتفاق ثلاثة عقود من العنف بين القوميين الأيرلنديين الساعين إلى التوحيد والوحدويين الراغبين في بقاء إيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة.
- تُظهر استطلاعات الرأي أغلبية مريحة في إيرلندا الشمالية لا تزال تؤيد البقاء ضمن المملكة المتحدة، وإن كانت الفجوة قد تقلصت قليلاً منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
موقف حزب "شين فين"
نقلت شبكة "بي بي سي" عن ماري لو ماكدونالد، زعيمة حزب "شين فين" الذي يضع توحيد إيرلندا ضمن أهدافه الرئيسية، قولها إن "النقاش حول الوحدة الأيرلندية قد غيّر مساره" في أعقاب تعليقات ترمب. واعتبرت ماكدونالد أن المسؤولية تقع الآن على عاتق رئيس الوزراء مايكل مارتن للبدء في التخطيط لتغيير دستوري، مضيفة: "أقرّ بتعليقات الرئيس ترمب بشأن إعادة توحيد إيرلندا". وتابعت: "لقد حققنا السلام، وبينما نقترب من الذكرى الثلاثين لاتفاقية الجمعة العظيمة، تتجه مسيرتنا الوطنية الآن نحو إعادة التوحيد؛ وهي عملية انتقالية منظمة ومخطط لها وتتم بأسلوب سلمي". ويُعد "شين فين" أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان الأيرلندي، وأكبر الأحزاب المشاركة في الحكومة بإيرلندا الشمالية.
في الختام
أعادت تصريحات ترمب خلال زيارته لدبلن فتح نقاش قديم ومعقّد حول مستقبل إيرلندا الشمالية، وسط ترحيب من أنصار التوحيد وتحفظ من الوحدويين والحكومة البريطانية على حد سواء. فهل تفتح هذه التصريحات فعلاً باباً لنقاش دستوري جديد، أم ستبقى مجرد رأي عابر أدلى به رئيس زائر في مؤتمر صحافي؟ الأيام المقبلة، ومواقف الأطراف المعنية رسمياً، كفيلة بتوضيح ما إذا كان لهذه الكلمات أي أثر عملي على الأرض.

