خبير عسكري ”يكشف”للصباح العربي” أسرار جديدة لدور أشرف مروان في حرب أكتوبر 73..وإشكاليات الملف الساخن لتحالف مصر وسوريا
لم أكن ممن شهد حرب أكتوبر 1973 تلك الانتصارات المجيدة التي أذهلت بها القوات المسلحة المصرية العدو آنذاك والعالم على حد سواء، فمواليد الثمانينيات حرموا من أن يشهدوا هذا الانتصار التاريخي وقت وقوعه ولم نستطع مشاهدته إلا من خلال لقطات حقيقية ببعض الأفلام الوثائقية التي وثقت بعض من ملامح الخطة العسكرية المصرية ومراحل تنفيذها وإبرام معاهدة السلام.
وحرص اللواء "ممدوح قطب" مدير عام المخابرات العامة المصرية سابقاً منذ اللحظة الأولى من الحوار أن ينقلنا عبر آلة الزمن لمتابعة الأجواء التي سبقت الحرب والاستعدادات المطولة والدقيقة لها، والتعرف على أسباب تحالف مصر مع سوريا تحت مظلة الوحدة العربية ضد المعتدي الإسرائيلي في تلك الفترة، والأسباب التي حالت دون أخذ قرار مشترك بيننا وبين سوريا بإنهاء الحرب في وقت واحد، وطبيعة علاقاتنا بالدول العربية كافة آنذاك، والدور غير المعلن لأشرف مروان بالحرب، كما تناولنا خطوات ومراحل إعادة بناء الجيش والقوات المسلحة المصرية بهدف تحرير أراضينا المحتلة والتي تمت بناءاً على أوامر مباشرة من الرئيس "جمال عبد الناصر" ذو الجماهيرية الواسعة بمصر وأقطار الدول العربية عقب نكسة 1967 المريرة .

وحول التحالف المصري مع سوريا والتنسيق مع السعودية لخوض حرب أكتوبر 73 ؟
في بداية الأمر بدأت عملية التحالف مع سوريا وبرزت أهمية التنسيق مع المملكة العربية السعودية، فقام السادات بزيارة الملك "فيصل عبد العزيز آل سعود" وأستوعب كل شوائب العلاقة المصرية السعودية التي حدثت أعقاب حرب اليمن، ونجح في الحصول على وعد من الملك "فيصل" بدعم ومساندة الجيش المصري في الخطوات المقبلة، وكان لهذه الخطوة أهمية بالغة حيث كان الاقتصاد المصري يعاني من الانهيار نتيجة الخسائر التي تكبدها في ظل حرب الاستنزاف حيث اتجهت كل مقدرات الدولة ومواردها الاقتصادية لإعادة بناء القوات المسلحة.

أسرار خطة الخداع المصرية لإسرائيل
نجح الجيش المصري في استنزاف طاقات الجيش الإسرائيلي حيث أعتمد على رفع درجة التأهب والاستعداد القصوى لديه، مما نتج عنه بالتبعية رفع نفس درجة الاستعداد والتأهب من الجانب الإسرائيلي في إطار المناورات دون محاولة العبور أو تبيان نية الهجوم عليهم، فتكبد الاقتصاد الإسرائيلي الكثير من الخسائر نتيجة ذلك.
إن خطة الخداع تلك كانت تعتمد على ثلاثة جوانب أساسية جانب سياسي وعسكري وإعلامي، فعلى صعيد الجانب السياسي وعد "السادات" بأن يشهد عام 71 حدثاً حاسماً في هذه المعركة، ثم بنفس العام ألقى خطبته الشهيرة التي ذكر فيها بأنه لن يحارب هذا العام لأن الحرب الهندية الباكستانية بذات العام جذبت انتباه العالم إليها ومن ثم فلن يخوض الحرب في هذا التوقيت، مما رسخ انطباع لدى إسرائيل على المستوى السياسي المصري بأننا لن نخوض حرباً ضدهم وأن "السادات" يحاول فقط تخدير شعبه وتهدئة الرأي العام بتصريحاته تلك، في ذات الوقت بدأنا على مستوى الجانب الإعلامي التسريب بصور لأخبار عن السادات تظهره محب للترف وأنه غير عابئ ولا مهتم بالتفكير في الحرب ومحاولة تحرير الأرض من قبضتهم، أيضاً قمنا بتسريب صور لقيادات بالمخابرات العسكرية يسافرون بالخارج كما أعلنت الدولة عن رحلات حج وعمرة للضباط بالقوات المسلحة المصرية تزامنت مع حرب أكتوبر.

وعن دور "أشرف مروان" في انتصارات أكتوبر 73 ؟
أشار أن المخابرات المصرية دفعت بعميل مزدوج لإسرائيل "أشرف مروان" كان يشغل منصب سكرتير الرئيس السادات للمعلومات، وصهراً للرئيس "عبد الناصر"، إذ أعلن "أشرف مروان" للاستخبارات الإسرائيلية عن استعداده الكامل للتعامل معهم وإمدادهم بمعلومات سرية في مقابل الحصول منهم على أموال باهظة، في البداية تشككت الاستخبارات الإسرائيلية في نيته وحقيقة انتمائه، هذا الشك تم استيعابه من قبلنا فقمنا بتسريب وثائق هامة لهم من خلاله، وبالفعل تأكدوا من دقة تلك المعلومات والوثائق، وبتكرار التجربة وثقوا به، واستمر إمداد المعلومات الهامة الصحيحة وازدادت درجة الثقة ووصلت أعلى معدلاتها في ظل تبادل المصالح بينهم وحصوله منهم على أموال طائلة في مقابل المعلومات القيمة التي يحصلون عليها، وعقب اكتساب الثقة التامة التي لا تقبل الشك طلب "السادات" من "مروان" أن يخبرهم بأن "السادات" غير جاد في الحرب وأنه فقط يدلي بتصريحات ويقوم ببعض الأعمال لإلهاء الشعب وتهدئته.
واستطرد قائلاً :"عندما تشككت إسرائيل في مطلع شهر أكتوبر بنية مصر في الحرب سارعت للتواصل مع "مروان" لتستفسر منه ففي الساعات الأولى من بداية يوم 6 أكتوبر 73 أفادهم "مروان" ورد على استفساراتهم قائلاً: إنه لا يستبعد أن تكون هناك نية للعبور بالفعل !.

- فقاطعته مندهشه : ماذا..أليس هذا من شأنه أن يحبط خطتنا ونجاحها ؟!
أكد لي "قطب" أن العكس صحيح لأن هذا الرد في حد ذاته سيزيد لديهم نسبة التشكيك وسيؤرقهم طوال الوقت ويعصف بأعصابهم، لأنهم سيكونون على حيرة من أمرهم متسائلين كيف لمصر أن تعبر اليوم وهي بشهر رمضان الذي يصومون فيه وبالتالي يشعر الجنود بالضعف والهزلان؟! وكيف لنا أن نصدق "مروان" بالرغم من أنه لا يوجد أي شاهد لدينا أو دليل على أن القوات المصرية ستقتحم بالفعل؟! ذلك حتى الساعات الأولى من صباح 6 أكتوبر، فعندما مر الوقت بعد الساعة السادسة ثم الثامنة صباحاً ولم تجد منا إسرائيل أي تحرك ! ظنت أن المعلومات المتوفرة لديها من "مروان" خاطئة لأنه من الطبيعي والمعتاد لأي دولة تريد أن تحارب أو تهجم على دولة أخرى أن تبدأ حربها مع مطلع شروق الشمس حتى تحارب في ظل ضوء النهار لساعات طويلة، أما مصر فالساعة تخطت الواحدة والنص ظهراً ومصر لم تحرك ساكناً ، فكيف لها أن تحارب وتعبر خط بارليف الحصين؟؟!.

- سألت "قطب" هل كانت الضربة الجوية أول عمل عسكري في الخطة التنفيذية لخوض حرب أكتوبر ؟
أجابني بالنفي ، وأفاد بأنها تُعد فقط أول خطوة معلنة إلا أنه سبقها خطوة في غاية الأهمية والخطورة وهي قيام قوات من قواتنا الخاصة بسد فتحات أنابيب النابالم التي كانت تحصن بها إسرائيل الحدود المائية الخاصة لخط بارليف وتم ذلك في الساعات الأولى من بدء يوم 6 أكتوبر تحت جنح الظلام حتى لا ينكشف الأمر وتحبط الخطة كاملة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إسرائيل أحست بالأمر إلا أنها تشككت في نية الهجوم والاقتحام بالفعل، وتساءلت القيادات الإسرائيلية فيما بينهم ماذا نفعل ونحن على مشارف الاحتفال بعيد "كيبور" يوم الغفران الموافق 6 أكتوبر والمعروف عنه لدينا أنه يوم السكون ، هل نستدعي قواتنا الاحتياطية في هذا اليوم الذي من المعتاد أننا لا نحرك فيه ساكناً ؟ علماً بأن السيناريوهات المتوقعة تفيد باحتمال أن ينكشف لنا في نهاية الأمر أن مصر تفعل ذلك فقط كنوع من المناورات والخديعة لنا لنستدعي الاحتياطي لدينا وبالتالي نتكبد خسائر اقتصادية !، وأود الإشارة إلى أن هذه السيناريوهات المشار إليها في أحاديثهم جاءت على لسان بعض منهم في المذكرات التي أعلنوها فيما بعد وفي المحاضر التي تم الكشف عنها، لأنه من الطبيعي أن ما فعلته مصر في ذلك التوقيت أصابهم بالصدمة الشديدة وبالتالي كانت فرصتنا في الفوز أكبر لقدرتنا المتفوقة عليهم في الخداع.

- عندئذ ألححت على "قطب" بسؤال لماذا لم توقع سوريا معنا على الإتفاقية بالشكل الذي يضمن لها تحرير هضبة الجولان؟
أجابني "قطب" قائلاً: للأسف كان في هذه اللحظة هناك نوع من الإختلاف في وجهات النظر بين الجانبين السوري والمصري حول تطور الأحداث، حيث أعلنت سوريا عن إصرارها على تحرير أراضيها بالقتال وليس بالمباحثات الدبلوماسية والسياسية الدولية ، وفي رأيي الشخصي أعتقد أن هذا يُعد متاجرة بقضية تحرير الأراضي بشكل عام لأن أي دولة تقول مثل ذلك الكلام تحصل على مساندات دولية لها في سبيل تحقيق تحرير أراضيها وحل النزاع لديها. وإني لأعجب في أن سوريا لم تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل في سبيل تحرير أراضيها وتنفيذ ما أصرت عليه منذ حرب 1973 وحتى الآن !.

- وهل نتج عن سوء الفهم هذا إتهام سوريا لنا بالخيانة ؟
- قال "قطب" محاولاً عدم الإستطراد في هذه النقطة وتقديم إجابة مختصرة: أرى أن إنتهاء الحرب بهذه الطريقة التي حرصت عليها مصر من توقيع لمعاهدة "كامب ديفيد" أنقذ سوريا !
- معلقة على كلامه في دهشه: أنقذ سوريا !
أماء "قطب" برأسه ليعلن عن تأييده قائلاً : نعم بكل تأكيد.. لأن سوريا عقب تحقيقها للإنتصار الجزئي بالإستيلاء على جبل الشيخ أصابها قصف شديد من القوات الإسرائيلية وكان قصف وهجوم بأقصى شدة، نتج عنه تراجع سوريا عن جبل الشيخ كما ذكرنا سابقاً، كما نتج عنه إنكشاف "دمشق" لمرمى المدفعية الإسرائيلية، فإنهاء الحرب كان لمصلحة سوريا أيضاً وإن كانوا لا يعترفون بذلك.

- هل تفاجأت بخبر العبور عند سماعك للأخبار عبر الإذاعة المصرية؟ أم أنك كنت تتوقع الحرب؟ وكيف؟
أجاب "قطب" لم أتفاجئ الحقيقة وكان هذا بسبب تحليلي لبعض التعليمات غير المعتادة التي تم إصدارها وإبلاغنا بها عقب عودتنا من الأجازة، حيث صدرت تعليمات بضرورة تجهيز أنفسنا وكل الطلبة بالكلية بمعدات القتال، وكان هذا القرار يُعد أمراً يدعو للدهشة وفرض التساؤل مع الذات، لأننا لم نعهده من قبل في هذه التوقيتات، خاصة وأنه من المعتاد أن تتم هذه التدريبات داخل الكلية الحربية، إلا أن القيادات لدينا أفادونا في اليوم التالي لعودتنا أي صبيحة يوم السبت الموافق 6 أكتوبر بضرورة أن نكون على استعداد تام للتحرك خارج الكلية الحربية في أي وقت، لاحتمال صدور قرارات تفيد بذلك لاحقاً.

- ما الذي كنت تتمنى توفيره بحرب أكتوبر 1973 ولم يكن متوفر بالشكل المرضي آنذاك؟
أجابني "قطب" على الفور: بالتأكيد على مستوى الإعلام المصري والعربي أيضاً لم يكن متوفر لدينا أحدث الكاميرات التكنولوجية الرقمية ذات التقنيات الحديثة المتوفرة الآن، نعم استطاعت القوات المسلحة توفير تصوير للقطات حية وحقيقية للأبطال المشاركين في الحرب خاصة لحظة العبور واقتحام خط بارليف، فلقد كانت عدساتنا هي العدسات الحصرية اللاقطة للأحداث، إلا أنني كنت أتمنى أن تتاح التكنولوجيا المتوفرة اليوم وقت تحقيق انتصارات أكتوبر المجيدة ليكون رصدها بالصوت والصورة أكثر دقة وسهولة وفاعلية بما يضمن التوثيق الذي يليق بهذا الحدث العظيم.


