الصباح العربي
الخميس، 19 سبتمبر 2019 02:44 صـ
الصباح العربي

مقالات ورأى

محمد الشاذلي يكتب: أزهري فوق هضبة الهرم

الصباح العربي

كان مكانًا مدهشًا وجريئًا للتصوير، الذي اختاره الشيخ أسامة الأزهري لحلقة من برنامج "رؤى"، التي شاهدتها في إعادة جديدة للحلقة الجمعة الماضي، على قناة dmc، تناول فيها موضوع الآثار المصرية القديمة، وخصوصًا الأهرامات وأبوالهول، فقد اختار منصته على هضبة الأهرام، ليكون في البؤرة مما سيتحدث عنه.

لامس الأزهري بحكمة الآراء المتعددة حول التماثيل، مستعرضًا رأي الشيوخ المعاصرين والقدامى، وصولاً إلى حقيقة أن الصحابة الأوائل الذين جاءوا مع الفتح الإسلامي لمصر لم يهدموها، وإنما تركوها على حالها كما نشاهدها اليوم، ولم يجدوا فيها أي شبهة تتعارض مع الإيمان الصحيح.

لكن - وكما أورد الأزهري - فإن هناك من يقول، إن العرب لم يهدموها لأنها كانت مطمورة ومدفونة وتحت الأرض، ولم يكن زمن الاكتشافات الأثرية الفرعونية قد حل؛ لأن الاكتشافات الكبرى ظهرت خلال المائة أوالمائتين عامًا الأخيرة.

ولكن هل كانت الأهرامات مدفونة تحت الأرض حقًا، لا يمكن لقعل استيعاب ذلك، فهي شامخة منذ آلاف السنين، وعلى هضبة مرتفعة، وطول الهرم الأكبر يقارب المائة وخمسين مترًا، كأطول بناء عرفه الإنسان في التاريخ، وظل كذلك لحين شيدت في التاريخ القريب مبان بارتفاعات تتجاوز طول الأهرامات، لكن لم تكن تحت الرمال في أي يوم من أيام التاريخ، وكل الرحالة المسلمين الذين زاروا مصر في القرون الأولى وقفوا أمامها مشدوهين.

أما الذين أرادوا أن يحكمونا باسم الإسلام فقد اقتربوا من هذا الملف بعد تولي الإخوان الحكم مباشرة ومن دون انتظار، وأورد الأزهري آراءهم المذاعة والمصورة، والتي طالب فيها بعضهم بتغطية التماثيل الموجودة بالشمع النقي المستورد، ووصل البعض الآخر إلى ضرورة هدم هذه التماثيل أو الأصنام؛ لأنها كانت تُعبد، أو التي سوف تعبد، ومن بينها أبوالهول، وذلك في اقتراب مدهش من آراء أبوبكر البغدادي زعيم "داعش" الذي دمر آثار الأراضي التي احتلها في العراق، وهي لا تعوض ولا تقدر بثمن، ولم يراع أنها كنوز بشرية، وكتب ووثائق ومراجع مفتوحة على عصورها التي صنعت فيها، وأنها لن تُعبد، وإنما ستدرس كعلم، لكن من لا يعبأ بالعلم لن يحافظ على وسائله.

أما حسن اختيار الأزهري لهضبة الهرم كخلفية مكان التصوير لهذه الحلقة المهمة من برنامجه لم يكن الدلالة الوحيدة على عمق تفكير هذا الشيخ، إنما اختياره لشخصية الحلقة، والتي تتقابل مع أبوبكر البغدادي في الاسم المشترك، ولكنها تتناقض معه في كل شيء.

فقد لجأ الأزهري إلى كتاب "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" لصاحبه "موفق الدين بن عبداللطيف البغدادي"، والذي زار الأهرامات قبل 800 عام.. واختار الأزهري خلفية الأهرامات: "حتى تتجدد بنا الذكريات؛ وكأننا قد اخترقنا جدار الزمن، وانفتحت لنا فيه نافذة، وكأننا نرى الموفق البغدادي يقف معنا في هذه المنطقة الخالدة على مر الزمان، ويمعن النظر في هذا الصرح العظيم، ويدون لنا هذه الكلمات الخالدة الباقية".

أما ملاحظته للتشابه في الأسماء والفراق في الأهداف؛ فقد ذكرنا الأزهري بمقاله في "الأهرام" قبل عام ونصف بعنوان: بغدادي الرحمة وبغدادي الإرهاب، عن الرجلين المشهورين، أولهما العالم الجليل المحب للعمران، وثانيهما ناشر الخراب.

كتب البغدادي: "أما ما يوجد بمصر من الآثار القديمة فشيء لم أر ولم أسمع بمثله في غيرها فاقتصر على أعجب ما شاهدته، فمن ذلك الأهرام وقد أكثر الناس من ذكرها ووصفها ومساحتها وهي كثيرة العدد جدًا وكلها في الجيزة على سمت مصر القديمة، وتمتد في نحو مسافة يومين وفي بوصير منها شيء كثير"، و"قد كان منها بالجيزة عدد كثير لكنها صغار فهدمت في زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب على يدي قراقوش".

والبغدادي مفسر ونحوي وطبيب ورحالة، وكان مولده في العام 1161 ميلادي في بغداد، وتلقى علومه فيها، ثم سافر إلى مدن عدة كالقدس، والتي التقى فيها مع صلاح الدين الأيوبي بعد تحريرها، وتوجه إلى مصر وطاف بها، وجلس للتدريس في الأزهر، ثم عاد إلى دمشق، حلب، وبلاد الروم، قبل أن يرجع إلى بغداد، ومات في العام 1231 ميلاديًا.

وصف البغدادي مصر من حيث المدن والأقاليم والمعالم والملابس والأمراض والعادات كأي رحالة مثقف ممن مروا بمصر في تلك الأزمنة القديمة وكتب عنها، واعتبر الأزهري كتابه من أبدع ما كتب الرحالة العرب المسلمون من حيث التسجيل الدقيق والأمين لأحوال الديار المصرية.

لم أكن أعرف البغدادي قبل أن يحدثنا عنه الأزهري، وبحديثه فتح الباب لنا لنعرف مثقفًا عربيًا كبيرًا له إسهام في الطب والنحو والفقه، وأيضًا في الرحلة، لا يقل بحال عن الرحالة العرب العظام الذين قرأنا عنهم في كتب التاريخ.

أما الشيخ أسامة الأزهري فقد تابعته منذ بدايات ظهوره كضيف في برامج تليفزيونية، وأحببت طريقته في الحكي وأسلوبه الشيق وذكائه الحاد في الرد؛ حتى على خصومه، وعمق ثقافته الدينية والأدبية.

نقلًا عن بوابة الأهرام

محمد الشاذلي أزهري هضبة الهرم أسامة الأزهري برنامج

مقالات ورأى

آخر الأخبار