فريدة الشوباشى تكتب: دموع نوارة
سالت دموعنا غزيرة، مثل غزارة شعر أحمد فؤاد نجم، حارّة قدر حرارة قلبه، الذى لم يخفق لشخص أو لشىء مثلما خفق لمصر، وكأنه الطبيب عندما يشخص أوجاعها، والحكيم وهو يصف الدواء، والذى كان دائما اسمه «ثورة». كان نجم، العاشق لبهية البهية، لا يقبل بمن لا يعرف قدرها وقيمتها، ولا يفلت من سياط أبيات قصائده من لا يضرب تعظيم سلام لأبنائها: «فلاحينك، ملاحينك، يزعقوا للريح تواتى.. اللى ع الدفة صنايعى واللى على المقداف زناتى، واللى فوق الصارى كاشف كل ماضى وكل آتى».. الكلام عن الكنز الشعرى الذى تركه لنا نجم، كلام بوسع البحور، وستظل أجيال ورا أجيال، تكشف عن معانى جديدة ومقاصد لم يتبينها السلف، لأنه، ببساطة، كتب مصر.. كنت وأنا فى طريقى إلى مسجد عمر مكرم، يوم الخميس الماضى لتقديم واجب العزاء لأسرته، لا أستطيع توصيف حالتى، فقد بكيت بحرقة لفكرة أننى لن أرى نجم مرة أخرى، وأجد صعوبة موجعة فى تصديق هذا الواقع الجديد.. مصر بدون نجم؟ بدون جسارته الشرسة فى تحدى كل أشكال الظلم أيا كان مصدرها، خاصة عندما يكون الظالم حاكما؟ بدون طلته المبهجة، وخفة ظله الفريدة؟
حاولت التماسك قبل أن أضم نوارة إلى صدرى بكل ما أوتيت من حنان، وأنا انظر إلى وجهها، الذى لم تكن تفارقه البسمة البريئة، المشاكسة، المحببة، حتى وهى تخوض أشرس المعارك، فإذ بملامحها الطفولية تنطق بلوعة فقد أعزّ الناس، وبعينيها وكأنهما ينبوعان، لا يجدى وقف تدفقهما، أو حتى التخفيف من حدة اندفاعهما، أى جهد، واندفعت نوارة فى قول بضع كلمات حزينة، كانت أكثرها تعبيرا «أنا أصلى مش قادرة أستوعب.. مش قادرة أتصور إنى مش حاشوفه تانى»، لخصت نوارة أقسى ما فى الموت، الرحيل، رحيل موجع، دون أمل فى عودة أو حتى لقاء خاطف يطفئ لهيب الحنين.. وبينما أحتضنها محاولةً تخفيف وطأة حزنها الجارف، العاتى، انفجرت نوارة الانتصار فى نوبة بكاء ودموعها تسيل بغزارة على خديها وهى تقول بصوت طفلة بريئة صدمتها الحياة بقسوة: «أبويا ما كانش كافر.. !!»، انخلع قلبى وقد أيقنت أنها علمت بما جاء فى صفحات الإخوان، ليس من شماتة فى موت قامة إبداعية بحجم نجم فحسب، وكأنهم آخر من يعلم بأن كل نفس ذائقة الموت! بل أيضاً من هول القدرة على إطلاق أحط العبارات بذاءة، وكالعادة، تتويج جهدهم بالاختراع المشين والدخيل علينا وهو التكفير!!
قلت لنوارة: أبوك هو الذى قال «أنا رخيص قوى عندكم، وغالى عند اللى خالقنى!!»، وهو أكيد «غالى» عند خالقه الذى حباه بموهبة فذة، وسخّرها هو للدفاع عن الحق فى الحرية والكرامة، خاصة حق المسحوقين، بسلاح الكلمة، التى لا يضاهيها سلاح.. وانظرى حولك لتشهدى نهر الحب الذى انهمر حزنا على رحيله.. يا نوارة يا حبيبتى مصر كلها حضن لك، وهذا، أكبر وأعظم وأنبل ميراث تركه لك أحمد فؤاد نجم.. وأضفت أن نجم أحب مصر وعشق ترابها ورآها «بهية، الزمن شاب وانتى شابة، هو رايح وانت جاية، جاية فوق الصعب ماشية، فات عليكى ليل ومية، واحتمالك هو هو، وابتسامتك هى هى، تطلع الشمس تلاقيكى معجبانية وعفية، يا بهية».. أى عشق للوطن، وأى إيمان ويقين، بأنه مهما مرّ بلحظات انكسار فإن فجره آت لا ريب فيه، لأنه فجر الضمير.. ولهذا تحديدا هو كافر فى نظر من قالوا «طظ فى مصر» أو حنفجر مصر ونغرق شوارعها فى دماء أبنائها، أو من هددونا بالسحق وقطع الرؤوس.. أبوك يا نوارة انحاز بكل ذرة فى كيانه لقضايا مصر والوطن العربى ودفع تضحيات من أحلى سنوات العمر، لم تنل ذرة من إيمانه بالبسطاء، وقد صاغ هذا العشق فى أبيات خالدة، فكانت تظاهرة الحب والتقدير لكلماته التى شكلت وجدان المصريين، جيلا بعد جيل، كما تبدى فى أشعار الشباب وهم يرثونه وفى الحشود التى ودعته وازدحام مسجد عمر مكرم بمحبين له مصريين وأيضاً عرب، من مختلف الأجيال والأعمار، ومن كل التيارات الفكرية والسياسية، من البسطاء والمثقفين، وأتصور أن هذا المشهد قد أجج حقدهم، فهم يعرفون أنه لا أحد عندهم يصل إلى واحد فى المائة من قامة نجم أو مكانته، لأن الشعب الذى وضعه فى القلب هو ذات الشعب الذى لفظهم ولفظ فجاجتهم وكرههم للوطن وكل من أحبّه، حتى وصل بهم الجنون إلى حد حرق علم بلادنا.. امسحى دموعك يا نوارة.. يا بنت نجم وبنت مصر.. وثقى، كما نثق، أن نجم رحل، ولكنه لم يمت.. فهل تموت الكلمة؟
نقلا عن "الوطن"


