الصباح العربي
الأحد، 20 سبتمبر 2020 07:21 صـ
الصباح العربي

تحقيقات وتقارير

مجلة ”وورلد فاينانس“ البريطانية: عشوائية أردوغان تدفع الاقتصاد التركي إلى الانهيار

الصباح العربي

قالت مجلة ”وورلد فاينانس“ البريطانية المتخصصة بالشؤون المالية والمصرفية العالمية، إنه في الوقت الذي تمضي فيه تركيا في مسار أزمتها المالية الثانية على مدار عامين، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يكرر محاولات تحدي المنطق الاقتصادي، ويضع بلاده في وضع سيء للتغلب على تأثير جائحة ”كورونا“.

وأضافت في تقرير نشرته اليوم الإثنين ”ليس معتادا أن يتسبب قس في أزمة اقتصادية، ولكن هذا ما حدث بالضبط في عام 2018، عندما اتهم القس الأمريكي أندرو برونسون، الذي رحل عن الولايات المتحدة إلى تركيا، بالتخطيط للإطاحة بالحكومة التركية، لمعاقبة تركيا نتيجة القبض عليه، ولذلك ضاعفت الولايات المتحدة التعرفة الجمركية على الألومونيوم والصلب، وهو ما تسبب في تراجع سريع لليرة التركية في غضون 24 ساعة فقط، حيث ففقدت 20% من قيمتها“.

وذكرت أن ”تركيا تتجه تركيا الآن نحو ثاني أزماتها المالية خلال عامين، وتراجعت الليرة بنسبة 16% في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، حيث تسبب فيروس كورونا في هروب كبير لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، ووفقا لمركز التمويل الدولي، فإن مارس / آذار الماضي، شهد هروب استثمارات بقيمة تزيد على 80 مليار دولار من 20 اقتصادا ناشئا، من بينها تركيا“.

تآكل احتياطي الدولار

وأكدت المجلة أن تركيا تعاني من تراجع حاد في احتياطي الدولار، نتيجة الجهود الحثيثة التي تبذلها أنقرة لمحاولة السيطرة على الهبوط الحاد لقيمة الليرة التركية، ومنذ مطلع العام الجاري كان البنك المركزي التركي يملك احتياطيا أجنبيا بقيمة 40 مليار دولار، ولكن هذا الرقم تراجع إلى 25.9 مليار دولار في منتصف أبريل/ نيسان، في الوقت الذي قامت فيه بنوك تركية ببيع 32 مليار دولار من العملة الصعبة.

وتابعت ”دون احتياطي كاف من العملة الأجنبية، فإن تركيا يمكن أن تعاني في مواجهة آثار الركود الذي تسبب فيه وباء كورونا، والذي حرم الدولة بالفعل من مصدر دخل كبير من الصادرات والسياحة الصيفية، كما أن السياسة الاقتصادية الشاذة التي يسير عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لا تساعد الدولة في هذا الموقف“.

سياسة عشوائية

فرض أردوغان نفوذه على السياسة المالية التركية أكثر من أي زعيم سابق له في البلاد، فقال في مقابلة عام 2018 ”عندما يكون الناس عرضة للأزمات نتيجة الصعوبات المالية، فمن الذي يتحمل المسؤولية؟ سوف تكون المسؤولية واقعة على عاتق الرئيس، وإذا كان الرئيس سيكون هو المسؤول عن ذلك، فإنه يجب أن نغير الصورة وأن يكون الرئيس هو المسؤول عن السياسات المالية“.

وعلّقت المجلة ”يبدو أن أردوغان لديه سوء فهم عميق لبعض الأدوات المالية التي يستخدمها، فقد رفض مرارا رفع أسعار الفائدة، وقال إنها أداة للاستغلال، حتى مع وصول معدل التضخم في تركيا إلى 18% في أغسطس 2018، فإن أردوغان رفض رفع أسعار الفائدة، وزعم أن هذا القرار سيؤدي إلى زيادة كبيرة في التضخم“.

هذه الآراء دفعت خبراء الاقتصاد إلى تصوير المعتقدات الاقتصادية للرئيس التركي بأنها ”بدعة“.

ونقلت المجلة عن أركون ساكا، أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة ساسيكس البريطانية إن ”النظرية الاقتصادية المتعارف عليها تشير إلى أن الدولة يتعين عليها رفع أسعار الفائدة إذا كانت تريد تعزيز جاذبية العملة، واحتواء توقعات التضخم، ويبدو أن الرئيس التركي يؤمن بعكس ذلك، حيث يرى أن خفض أسعار الفائدة سيؤدي إلى تراجع التضخم. حتى الآن فإننا لم نر في تركيا ما يدعم مزاعم أردوغان“.

قرارات تخريبية

واستطرد التقرير ”هذا القرار الذاتي التخريبي بإبقاء أسعار الفائدة منخفضة، تسبب في زعزعة استقرار المستثمرين، ويوم 21 مايو / أيار الماضي، قام أردوغان بخفض أسعار الفائدة للمرة التاسعة على التوالي في محاولة لتحفيز الائتمان الرخيص، ولكن محللين يحذرون من أن هذا يمكن أن يؤدي ببساطة إلى قفزة في التضخم، وكبح المستثمرين عن حيازة أصول بالليرة التركية“.

وأردف أنه ”رغم أن تلك التدخلات الحكومية تعتبر أمرا متعارفا عليه في الأسواق الناشئة، فإن تركيا تفرط في استخدامها“.

ونقلت المجلة عن أركون ساكا قوله: ”ليس أمرا شاذا أن تقوم الأسواق الناشئة ببعض التدخلات الحكومية خاصة في أعقاب أزمة العملة، ونستطيع تفسير ذلك بأنه إجراء تلجأ إليه الحكومات لمحاولة فرض الاستقرار على العملة، ولكننا نرى في نفس الوقت أن هذه الإجراءات يجب أن تكون مؤقتة، وألا تستمر لسنوات طويلة، ولكن إذا أصبحت نموذجا دائما بالنسبة للأسواق المالية التركية، فإن هناك خطرا يهدد الدولة، حيث تواجه احتمال هروب المستثمرين“.

تسييس

وفي الوقت الذي يتم التعامل مع الليرة التركية بأنها مؤشر على الحالة الاقتصادية الجيدة، فإن الأمر يخضع للتسييس الشديد، لا سيما وأن أردوغان قال أمام حشد لأنصاره في مؤتمر لحزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2019: ”دعونا لا نستخدم الدولارات، دعونا نتحول إلى الليرة التركية، إلى قوميتنا“، وقالت إنه مع تراجع قيمة الليرة في مايو / أيار 2020، فإن أردوغان ألقى باللوم على ما وصفه ”القوى الدولية التي تريد تدمير الاقتصاد التركي“.

وعلّقت المجلة أن ”اللجوء إلى كبش فداء لدول أخرى، يمثل خطة مكررة من جانب أردوغان، وعندما قام الأتراك بحرق الدولارات الأمريكية خلال أزمة العملة عام 2018، فإن هذا كان نتيجة التحريض المناهض لأمريكا الذي مارسه أردوغان وتسبب في إلهام مواطني تركيا، ورغم أن القبض على القس برونسون، والتعرفة الجمركية التي فرضها ترامب، تسببا بالفعل في هبوط قيمة الليرة التركية، فإن تركيا كانت بالفعل غارقة في المشكلات الاقتصادية“.

انهيار وشيك

وأشار التقرير إلى أنه في عهد أردوغان، ارتفع الاقتراض والديون الخارجية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى مشاريع البنية التحتية الرئيسية التي قام بها، والتي شملت مطارا جديدا في إسطنبول، بتكلفة بناء تصل إلى 11 مليار دولار، إضافة إلى مسجد تشامليجا، الذي أصبح الآن أكبر مسجد في البلاد.

وذكر الخبير الاقتصادي والكاتب التركي مصطفى سونميز، وفقا لـ“وورلد فاينانس“، أن هذه النهضة البنائية تبعتها نتائج مؤلمة، مشيرا إلى أن نسبة النمو في عام 2019 كانت قريبة من الصفر، ورافقها نسبة بطالة وصلت إلى 14%، وتضخم مرتفع، إضافة إلى العجز عن سداد ديون خارجية.

وتابع سونميز ”إذا لم تستطع حكومة أردوغان العثور على مصدر لسداد الدين قصير الأجل الذي تصل قيمته إلى 170 مليار دولار، والذي يتعين عليها سداده خلال الـ12 شهرا المقبلة، فإنها لن تستطيع الحفاظ على سعر الصرف أو زيادته لصالح الليرة. وسيكون لذلك تأثير سلبي على جميع الأرصدة“.

وأكد سونميز أن الملجأ الوحيد في تلك الحالة سيكون صندوق النقد الدولي، وهو الخيار الذي طالما استبعده أردوغان، مشيرا إلى أن الصندوق سيكون مكلفا على الصعيد السياسي بالنسبة لأردوغان، الذي يأمل في أن ينتهي الوباء سريعا، وأن تعود الأموال سريعا من الخارج، ولكن هذا لن يكون سهلا.

وختمت المجلة تقريرها، بالقول: ”تعتمد تركيا بشكل كبير على التمويل الأجنبي، ولكن الإدارة الصارمة التي يمارسها أردوغان على عملة الدولة، تسببت في ردع المستثمرين الأجانب، ومنعهم من تقديم الأموال التي تحتاجها الدولة بشدة لإيجاد التوازن في ميزانيتها، والآن ومع ارتفاع الديون وتراجع الاحتياطي، فإن أردوغان سيكون حكيما إذا لجأ إلى صندوق النقد الدولي، ولكن إذا كان هناك مؤشر لسجله الطويل، فإن الرجل القوي سيفضّل الإبقاء على قبضته الحديدية التي ستخنق الاقتصاد حتى ولو كان ذلك سيؤدي إلى الانهيار“.

مجلة وورلد فاينانس البريطانية عشوائية أردوغان تدفع الاقتصاد التركي إلى الانهيار

تحقيقات وتقارير