الصباح العربي
الخميس، 1 أكتوبر 2020 06:39 مـ
الصباح العربي

فن وثقافة

د.أحــمــد الــخــمــيــســـي.. تـــــصـــادف أنـــنـــى..قــصــة قــصــيــــرة

الصباح العربي

تصادف أنني رأيت عينين واسعتين ، لا تنكسران من أنوثة قدر ما تغدقان علي الجالس إليهما شعورا حادا بالقوة والوضوح ، كأنهما حقيقة ظهرت فجأة لا تقبل الجدل أو الشك . عن هاتين العينين كتب شاعر في مقتبل العمر على كرسي بمقهى في الثانية فجرا من مطلع يناير 1943 يقول :

" حولي عينيك إني لا أطيـق

ما تصبان بنفسي من حريق "

كان شابا نازحا من الريف كل ثروته قصائده وآماله الجارفة وصوته العميق . التقي بها في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول مصادفة وهو يلقي شعره هناك ، فكتب لها والقلق يأكل روحه والنار تلفح وجهه :

" حولي عينيك إني لا أطيق "

ومنذ أن تطلع إليها الشاعر الشاب مأخوذا بها يقرأ عليها قصيدته بصوته الجهير ، لم تحول عينيها عنه ، تلك الشابة الجميلة التي ضج بدنها الملفوف بعنفوان وتماسك هائلين ، لم تنقل عينيها أبدا إلى شيء آخر ، حتى عندما أهملَ الحب الأول ، وتقلبَ من ذراعي امرأة إلى أخرى ، ومن بيت لآخر، ومن أطفال لأطفال ، ومن قصيدة لأخرى بلا نهاية . ظلت تتبعه عينيها وحبها الثابت لأنه كان حقيقة ومعنى وجودها كله .

تعرفتُ إلى هذه الشابة الجميلة عام 1948، كنتُ صغيرا حينذاك. أطعمتني لقمًا مدورة بأصابعها وأنا أهز ساقي من فوق أريكة في بيتها ، وسقتني . وتصادف أنني رفعتُ رأسي أحدق في وجهها ، ورأيت عينيها : واسعتين تسددان إلى أغوار القلب طاقتها وحيويتها.

عام 1972 تركتُ مصر وكانت السيدة تقترب من الخمسين. لم أرها بعد ذلك لزمن طويل ، كانت خلاله تكبر ، اختلفت مشيتها قليلا ، وأمست تخطو ببطء بكتفين محنيتين شيئا ما ، لكن دون أن تحني رأسها أو تتحلل في عينيها بلورةُ النظرة المتماسكة .

كان أصحاب الدكاكين أسفل العمارة التي تسكنها قد ألفوا تجوالها الصباحي وحدها في الشارع بعباءة سوداء مسدلة ، تشتري الصحف والخبز ثم تقفل راجعة تصعد إلى الطابق الثالث وتتوقف بعد كل طابق لاهثة تستند إلى درابزين السلم، إلى أن تبلغ شقتها فتدخل وتلقي بما في يديها على كنبة بغرفة الجلوس ، ثم تدفع بيديها الاثنتين مصراعي الشرفة ، وتلبث قليلا تتفرج بتيار الناس في الشارع يمضي ويتفرق تحت بصرها في كل ناحية ، والباعة عند عرباتهم ، ولغط الحياة ، وأخيرا تنسحب إلى الداخل ، تقعد على الكنبة وأمامها ترابيزة مرتفعة ، تشرب قدحين من الشاي من إبريق على صينية : الأول باللبن والثاني سادة .

حين رجعتُ إلى مصر بعد سنوات ، كان الشاعر قد غادر هذا العالم ، وتفرق أبناؤها ، وصارت تعيش بمفردها في الشقة الفسيحة الصامتة تنسي أشياء وتذكر أشياء أخرى . عرجتُ عليها ، ربما كان ذلك عام 1990 أو بعده . وجدتها كما هي تقريبا . تشرَّخ صندوق الكمان ، أما الأوتار فظلت دون تغيير يُذكر مقرونة مازالت بلحن وغرام قديمين . قرب المنضدة التي تجلس إليها كل صباح احتفظت بديوان قصائده، وفرشاة كان يرجل بها شعر رأسه ، وخطابات قديمة يعود تاريخها إلى عام 1946 ، و1947 ، وأخرى أرسلها إليها من داخل المعتقل عام 1953 .

عيناها كانتا نفس العينين الواسعتين ، تشاكسان بتحد ضاحك . لكن شيئا فيهما بعد رحيل الشاعر كان ينفلت من دورة الحياة حولها و يصب روحها كلها بعيدا في عالم آخر . أدهشني أنها ما زالت كما رأيتها وأنا صغير تعيش حقيقة واحدة ، كما يحيا الإنسان علي ضوء نجوم ربما لم تعد موجودة منذ زمن بعيد .

قاومتْ الشابةُ ، العجوز ، ذات العينين الواسعتين ، الزمن ، وخرجتْ معافاةً أكثر من مرة بعد اشتباكها بالمرض ، ولم تدع شيئا يطفئ بريق عينيها اللامعتين، لكن قواها كانت تخور بالتدريج ، إلى أن أغلقتْ عينيها فجر يوم الاثنين أول مايو .

فتحتْ باب غرفة نومها في الثالثة والنصف ، وخرجت إلى الصالة، ومنها إلى غرفة الجلوس حيث كانت ابنتها تلعب الورق مع ابن عمها . وقفت في فرجة الباب الموارب وقالت لهما وهي سعيدة بونس الليل : سأتسلى معكم بلعب الورق . دخلت وحطت جسدها بتثاقل على الكنبة أمامهما ، ثم تحاملت على نفسها تعتدل أمام المنضدة ، وقالت لابنتها : شغلي المروحة . فقامت وأدارت بإصبعها مفتاح المروحة المعلقة في السقف ، وقبل أن تستدير ابنتها إليها بالكامل سمعت صوت ارتطام رأس أمها بالجدار ، ورأتْ في لحظة كيف جرى خيط دقيق من الدم من أنفها فصرخت .

في حوالى الرابعة أيقظني جرس الهاتف برنين متصل . وبعد نصف ساعة كنت أصعد سلم بيت السيدة. حينما بلغت الطابق الثالث رأيتُ باب شقتها مفتوحا . دخلت . كانت ابنتها وابن عمها جالسين في الصالة مع الطبيب في صمت ثقيل مشوب بضوء الفجر .

دلفت إلى غرفة الجلوس لألقي نظرة عليها : كانت مسجاة على الكنبة ، المروحة المعلقة في السقف تطن فوقها ، وقد تغطى وجهها وجسمها بملاءة بيضاء خفيفة . رفعتُ الملاءة عن وجهها : كانت عيناها مغلقتين ، وفمها مفتوحا لأسفل قليلا . بدتْ كالغافية دون نفس أو حركة . كانت تلك أول مرة في حياتي أتأمل فيها روحا تترك بدنها . تأملتها مرة أخيرة وأحسست أنها تواصل التطلع إلى الشاعر الذي فتنها ذات مرة عام 1943 حين قال لها : حولي عينيك.

دسست يدي الاثنتين تحت كتفيها ورفعتها لأعلي . ضممتها بقوة وقبلتها . تمنيت لو تسري حرارة قبلتي إلى الروح الموغلة بعيدا .

د.أحــمــد الــخــمــيــســـي.. تـــــصـــادف أنـــنـــى..قــصــة قــصــيــــرة

فن وثقافة