الأحد 11 يناير 2026 11:48 مـ 22 رجب 1447 هـ
×

خـطـر يـحـلـق بـأجـنـحـة الــعــلــم الــحــديــث - أحمد الخميسي

السبت 30 أكتوبر 2021 08:08 صـ 23 ربيع أول 1443 هـ
خـطـر يـحـلـق بـأجـنـحـة الــعــلــم الــحــديــث -  أحمد الخميسي

أرسل الي صديقي نوفل نيوف، الكاتب والروائي السوري، تقريرا علميا يثير التأمل في ما يخص علاقتنا بالعلوم الحديثة. بهذا الصدد كان تشرشل قد قال يوما " إن دمار الحضارة الانسانية سيكون على أجنحة العلم الوضاءة"، وفي حينه كانت العلوم قد توصلت إلى الدبابات والطائرات والسفن الحربية لا أكثر، ولم تكن بفضل أو بسبب العلوم قد ظهرت بعد القنبلة النووية التي أهلكت نصف مليون انسان في لحظات. ولم نكن قد سمعنا بعد عن القنابل العنقودية والانشطارية والكيماوية وغيرها مما تتطاير شظاياه في لحم الشعوب الفقيرة. ورغم ذلك كله فما زال بوسع البشرية التحكم في كل ذلك الرعب العلمي في ظل منظومة سياسية عالمية مختلفة وجديدة، لكن خطر العلوم الأكبر، وقد لا تستطيع البشرية أن تكبح جماحه، يظهر في مجال آخر تماما، أعني تدخل العلم في التعديل الوراثي أو الجيني للانسان الذي يتقدم بعد اكتشاف العلماء تقنيات تمكنهم من تغيير الحمض النووي لدي أي كائن حي، نبات أو حيوان أو بكتيريا، وذلك بإضافة مواد جينية أو إزالة مواد أخرى، أو تغييرها، مما يهدد بتغيير في الجنس البشري ينقله الأطفال إلى الأجيال التالية عليهم. وقد شقت العلوم الحديثة ذلك الطريق بتجاربها على الحيوانات، ولعلنا مازلنا نذكر قصة النعجة الشهيرة " دوللي" التي تم استنساخها عام 1996 من خلايا حيوان آخر في جامعة إدنبرة باسكتلندا. ومنذ ذلك الحين ثار سؤال التعديل الوراثي عند امتداده إلى البشرية المهددة بسبب التقدم العلمي! وطرحت القضية من زاوية علاقة العلوم بالمباديء الانسانية، والأخلاقية، إلا أن خضوع تلك الأبحاث في معظمها للجهات العسكرية نحى جانبا كل اعتبار أخلاقي، ودفع للأمام بأولوية الهيمنة السياسية. وسرعان ما خطا العلم خطوة أخرى، وفي عام 2012 تم اكتشاف " نظام كريسبر"، وهو نظام بيولوجي لتغيير خصائص الحمض النووي يبحثون به عن مواقع جينات محددة ثم يستخدمون " مقصا جزئيا " لازالتها. ورغم الاستنكار الأخلاقي لتلك الإكتشافات إلا أن العلوم واصلت تقدمها غير المبشر بخير، وفي أغسطس 2017 تمكن علماء أمريكيون من تخليص أجنة بشرية من حامض محدد، أي أنهم تمكنوا من اجراء تعديل وراثي في الجينات بالفعل. وبعد ذلك بعامين، في ديسمبر 2019 قام عالم صيني يدعى " خه جيانكوى" باجراء تجربة لتوليد أول أجنة بشرية معدلة وراثيا ، وأعلن عن ولادة طفلين توأم معدلين هما : " لولا "، و" نانا ". وحكم على العالم بثلاث سنوات سجن في الصين بتهمة انتهاك الحظر المفروض على اجراء التجارب على أجنة بشرية، وطرد من الجامعة حيث كان يعمل أستاذا مساعدا، وقالت أكاديمية العلوم الصينية إنها تعارض بشدة مبدأ " التعديل الجيني" في البشر لأن ذلك قد يؤدي إلى مخاطر غير متوقعة علاوة على أنه أنتهاك لإجماع العلماء في العالم، ونددت بتلك التجارب أكاديميات العلوم في معظم البلدان، وردا على دراسة تتباهى بأهمية التعديل الوراثي قال ديفيد كينج رئيس مؤسسة هيومان جينيتك أليرتس المراقبة للقضايا الوراثة والجينات، إن تلك الدراسة " شر مطلق، إذ أن هناك حظرا دوليا على ممارسات الهندسة الوراثية التي تستهدف تحسين النسل البشري منذ 30 سنة. لكن مجموعة من العلماء يرون أنهم يعلمون ما لا يعمله الباقون رغم عدم تحقيق أي فوائد طبية من ذلك على الإطلاق". والواضح رغم الأصوات المحتجة أن التجارب سوف تمضي في طريقها محمية بأموال المجمعات العسكرية وبأهداف الهيمنة السياسية التي لا تستنكف اللجوء لأي وسيلة. ومع أننا نقدس العلوم بشكل متوارث بصفتها إحدى أهم أدوات التطور، إلا أن علينا أن نقف بانتباه وحذر مع ذلك " التقدم" الذي يهدد الحضارة الانسانية بالفناء على أجنحة العلم الوضاءة. وما أصعب أن يكون الصديق هو العدو، وأن يقود العلم إلى الجهل والظلام.