الخميس 4 يونيو 2026 09:16 مـ 18 ذو الحجة 1447 هـ
×

دبلوماسية العناق المفقود: حين ذهب ترامب يبحث عن ”صديق” فوجد سوراً صينياً عظيماً

الخميس 14 مايو 2026 10:54 مـ 27 ذو القعدة 1447 هـ
دبلوماسية العناق المفقود: حين ذهب ترامب يبحث عن ”صديق” فوجد سوراً صينياً عظيماً

يبدو أن العالم كان على موعد مع فكاهة سياسية من الطراز الرفيع في بكين، حيث حطت طائرة الرئيس الأميركي المثير للجدل في بلاد التنين، حاملةً معها حقائب مليئة بالأوهام العاطفية والآمال "الترامبية" التي لا تعترف بقواعد البريكيتول أو رصانة الأباطرة. في قمةٍ كان من المفترض أن تناقش صراعات القوى العظمى في الولايات المتحدة وحروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، تحول المشهد إلى ما يشبه حلقة من "تلفزيون الواقع"، حيث يطارد بطل العرض صديقاً قديماً يرفض الاعتراف بـ "الزمالة".

لقد دخل ترامب قاعة الشعب الكبرى وهو يوزع الابتسامات والمدائح وكأنه في حفل توزيع جوائز الأوسكار، مغدقاً بكلمات الحب والتقدير على نظيره الصيني شي جينبينغ. ولكن، كما يقول المثل، "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن الترامبية"، فبينما كان ترامب يتغنى بذكريات الاتصالات الهاتفية والعلاقة "الرائعة"، كان "شي" يمارس رياضة البرود الدبلوماسي ببراعة يحسد عليها، محولاً "الصداقة الشخصية" إلى "شراكة استراتيجية" باردة جافة لا مكان فيها للعواطف.

الصداقة من طرف واحد: عندما يقول لك "أحبك" فترد بـ "شكراً"

أولى محطات الكوميديا السوداء في هذه القمة بدأت بعبارات الثناء المبالغ فيها من الجانب الأميركي. ترامب، الذي يعشق أن يكون محبوباً (أو هكذا يتخيل)، بدأ حديثه بالتأكيد على أنه "شرف له" أن يكون صديقاً لـ "شي". ولم يكتفِ بذلك، بل ذكّره بالماضي الجميل والاتصالات المتبادلة، وكأنه يحاول استجداء "لايك" سياسي من زعيم لا يعترف بغير لغة المصالح القومية الصلبة.

في المقابل، كان شي جينبينغ يلقن العالم درساً في كيفية "وضع الحدود". فبينما يوزع شي لقب "الصديق" على قادة باكستان وفرنسا وحتى بوتين، اختار لترامب مصطلح "الشريك". إنها النسخة السياسية من عبارة "دعنا نبقى مجرد زملاء عمل". هذا التجنب المتعمد لاستخدام كلمة "صداقة" مع ترامب، رغم استخدامه لها سابقاً، يعكس بوضوح أن بكين قررت خلع القفازات المخملية وارتداء ثوب الواقعية التي لا تعرف المجاملات، مما جعل اندفاع ترامب يبدو وكأنه غزل في غير محله.

خيبة أمل في العناق: عشر ثوانٍ من الإحراج الرسمي

قبل الوصول إلى بكين، كان ترامب قد رسم في مخيلته (وعلى وسائل التواصل الاجتماعي) مشهداً سينمائياً لاستقباله؛ توقع "عناقاً كبيراً ودافئاً" يثبت للعالم مدى تأثيره السحري على القادة. ولكن الواقع في مطار بكين وداخل الردهات الرسمية كان مختلفاً تماماً.

بدلاً من العناق الدافئ، حصل ترامب على مصافحة رسمية "ناشفة" استمرت لعشر ثوانٍ فقط. ولأن ترامب لا يستسلم بسهولة أمام تجاهل لغة الجسد، قام بالتربيت على ذراع "شي" مرتين، في محاولة يائسة لإضفاء لمسة من الحميمية على موقف يتسم بالجمود الصخري. هذا التباين بين الاندفاع الأميركي الاستعراضي والتحفظ الصيني الهادئ لخص الفجوة الكبيرة بين كيف يرى ترامب نفسه كـ "صانع صفقات محبوب"، وكيف يراه الصينيون كـ "إعصار يحتاج إلى احتواء".

فخ ثوسيديديس: حين يتحدث الفلاسفة ويسمع "رجل الأعمال"

في الوقت الذي يبحث فيه ترامب عن "المانشيتات" واللقطات السريعة لتتصدر أخبار دونالد ترامب في الصحف العالمية، كان شي جينبينغ يغرق في التاريخ والفلسفة. استشهد شي بـ "فخ ثوسيديديس"، وهو مصطلح يشير إلى حتمية الحرب عندما تهدد قوة صاعدة قوة مهيمنة.

  • لماذا اختار شي هذا المصطلح؟ لإرسال رسالة مفادها أن الأمر لا يتعلق بالصداقات الشخصية أو المكالمات الهاتفية، بل بمسار تاريخي معقد.
  • ماذا كان رد فعل ترامب؟ ربما كان يتساءل في سره "من هو ثوسيديديس هذا وهل يملك حساباً على إكس؟".
  • الخلاصة الفلسفية: شي يرى أن التعاون ضرورة لبقاء القوى، بينما ترامب يراه مجرد صفقة رابحة أو خاسرة.

تساؤل شي حول قدرة البلدين على "صياغة نموذج جديد" كان بمثابة رمي الكرة في ملعب ترامب، لكن بطريقة تجعل الأخير يبدو وكأنه تلميذ في مدرسة التاريخ القديم، وليس رئيساً لأكبر قوة في العالم.

معارك جانبية: الصحافة والسلاح و"المضيف السيئ"

لم تخلُ القمة من "بهارات" التوتر الأمني، حيث تحولت قاعة الشعب الكبرى إلى ساحة تدافع بين الصحافيين الأميركيين المندفعين والأمن الصيني الذي لا يبتسم أبداً. وصل الأمر إلى سماع عبارات نابية ومشادات كلامية، بل وتأخر دخول الوفد الصحافي لأن الأمن الصيني رفض دخول عناصر "الخدمة السرية" بأسلحتهم إلى معبد السماء.

المفارقة هنا كانت في تعليق أحد الأميركيين للمسؤولين الصينيين: "كنتم مضيفين سيئين للغاية". يبدو أن الأميركيين اعتادوا أن تفتح لهم الأبواب في كل مكان، لكن في بكين، القواعد صينية بامتياز، حتى لو كان الضيف هو "صديق شي" المفترض.

إيلون ماسك والدجاج المقلي: الكوميديا الشعبية على "ويببو"

بينما كان "شي" وترامب غارقين في رسم خرائط النفوذ وتحديد مصير الكوكب، كان للجمهور الصيني على منصة "ويبو" (النسخة الصينية من إكس) رأي آخر تماماً؛ فالأولوية القصوى لم تكن للحروب، بل لـ "الخميس المجنون"! وهي حملة تخفيضات شهيرة لمطاعم الدجاج المقلي تصادف موعدها مع الزيارة. لم يضيع الصينيون ثانية واحدة، فحولوا "القمة التاريخية" إلى حفلة سخرية، ونشروا صوراً صُممت بالذكاء الاصطناعي تُظهر ترامب وهو يترك الملفات النووية جانباً لينقضّ بشراهة على وجبة دجاج مقلي صينية، وكأنه وجد أخيراً "الصفقة الرابحة" التي كان يبحث عنها.

أما إيلون ماسك، فقد سرق الأضواء بطريقة لا تليق بـ "أغنى رجل في العالم". فبدلاً من أن يظهر كعقري التكنولوجيا، التقطته العدسات وهو يقف بذهول على درجات قاعة الشعب الكبرى، ممسكاً بهاتفه ويصور كل زاوية وكأنه سائح مبهور يزور المدينة لأول مرة. هذا المشهد جعل المعلقين الصينيين ينهالون عليه بالتهكم: "انظروا إلى هذا المسكين، يبدو وكأنه لم يخرج من بيته قط!" أو "هل هذا هو من يريد غزو المريخ؟ إنه مصدوم من مجرد درج في بكين!". لقد تحول الوفد الأميركي "الرفيع" في نظر الصينيين من قادة يديرون العالم إلى مجرد "سياح فضوليين" غلبتهم الدهشة أمام عظمة التنين، وانتهى بهم المطاف مادة دسمة للنكات بين قضمات الدجاج المقلي.

في الختام

انتهت الجولة الأولى من القمة، وبقي ترامب بانتظار ذلك العناق الذي قد لا يأتي أبداً. لقد أثبتت بكين أنها تجيد فن "الكياسة الباردة"، حيث تستقبل الضيف بكل مظهر الفخامة، لكنها تغلق دونه أبواب العاطفة والاعتراف بالجميل الشخصي. بين "فخ ثوسيديديس" وعروض "الدجاج المقلي"، يبدو أن الدبلوماسية الأميركية في عهد ترامب لا تزال تبحث عن بوصلة في بحر الصين المتلاطم، بينما يكتفي التنين الصيني بهزة رأس رسمية ومصافحة لا تتجاوز العشر ثوانٍ، تاركاً لترامب عناء البحث عن "صداقة" في عالم لا يعترف إلا بالقوة.