اقتصاد مصر القومي بين الخسائر والأرباح في ذكرى حرب أكتوبر 73

بين لحظات الانكسار والانتصار خاضت مصر معارك قوية رغم معانتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية في ذاك الوقت ، إلا انها استطاعت بفضل العزيمة والارداة الفولاذية أن تواصل تلك الحروب حتى اللحظات الأخيرة والمصيرية التي أظهرت معادن الشعب المصري وقدرته على صناعة المصير وحماية الأرض والبشر وكل مكونات الوطن على مدار تاريخه الطويل الذي أثبت خلاله أنه قادر على أن يكون لها سيفا وجدارا منيعا من بطولات البشر يدفع عنه كل معتد أثيم ويدفع بها إلى المكانة اللائقة بقيمة مصر وقامتها الحضارية التى تفوق كل ما عداها.
ولم يكن الاقتصاد القومي في معزل عن التأثير بتلك المعارك الهجومية التي تعرضت لها البلاد خلال تلك الفترة خاصة عقب هزيمة مصر أمام العدو الصهيوني في يونيو 1967 وماشهدته من خسائر فادحة ليس على الصعيد العسكرى فحسب وانما على المستوى الاقتصادي الذي استنزفته الحروب لاجل مساندة وتمويل الخسائر العسكرية سواء فى صورته الجارية أو فى صورة شراء الأسلحة وإعادة بناء وتطوير البنية الأساسية العسكرية التى دمرت أو تعرضت لأضرار فادحة فى حرب 1967 والتي بلغت نحو 11 مليار جنيه مصرى أى نحو 25 مليار دولار بأسعار تلك الفترة حيث كان الجنيه المصرى يساوى نحو 2.3 دولار فى الفترة ما بين حربى يونيو 1967 ، وأكتوبر 1973وفقاً لتقدير رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عزيز صدقى في تقايره للاقتصاد المصرى ، حيث فقدت مصر 80% من معداتها العسكرية وكان عليها أن تعيد تمويل شراء معدات عسكرية بديلة وهى تكلفة اقتصادية هائلة كان على الاقتصاد المصرى أن يتحملها.
ثروات سيناء
وكذلك فقدان سيناء بثرواتها البترولية والمعدنية وامكانياتها السياحية، وهى ثروات كان من الممكن اعتبارها مفقودة مؤقتا لو أن إسرائيل احترمت الاتفاقيات الدولية ولم تستنزف ثرواتها، لكن الذى حدث هو أن إسرائيل نهبت بصورة لصوصية دنيئة ثروات سيناء وبالذات نفطها، وهو ما يعنى أن مصر فقدت بشكل نهائى جزءا من الثروات الطبيعية فى سيناء بعد حرب 1967 ، حسارة مصر لإيرادات قناة السويس التى كانت قد بلغت نحو 95.3 مليون جنيه عام 1966 أى نحو 219,2 مليون دولار توازى نحو 4% من الناتج المحلى الاجمالى فى ذلك العام. فضلا عن هذا الفاقد فى الايرادات فإن الخسائر الناجمة عن العدوان الإسرائيلى على منشآت قناة السويس قاربت المليار جنيه أى نحو 2300 مليون دولار بأسعار ذلك الحين ، وأيضاً خسارة للايرادات السياحية يقدر بنحو 37 مليون جنيه سنويا توازى قرابة 84 مليون دولار فى ذلك الحين بسبب العدوان الإسرائيلى عليها عام 1967 .ومنذ تلك اللحظة أدركت القيادة المصرية أنها تدير اقتصاد حرب بالمعنى الحقيقى للكلمة فاتبعت السياسات اللازمة لذلك إلى حد بعيد ، وذلك من خلال فرض ضرائب جديدة وزيادة معدلات الضرائب القائمة لزيادة الايرادات العامة الضرورية لمواجهة التزايد السريع فى الانفاق العام اللازم للاستعداد لخوض جولة جديدة من الصراع العسكرى مع الكيان الصهيوني ، وقد جاء التزايد فى حصيلة الضرائب من الضرائب غير المباشرة والجمارك، حيث ارتفعت حصيلتهما من 442.5 مليون جنيه عام 69/1970 إلى نحو 574.7 مليون جنيه عام 1973 ، وشكلت حصيلتهما نحو 63.4% من اجمالى حصيلة الضرائب عام 69/1970 ، أرتفعت إلى نحو 69.1% فى عام 1973. وبالمقابل بلغت حصيلة الضرائب المباشرة نحو 255 مليون جنيه عام 69/1970 بما يوازى 36.3% من إجمالى حصيلة الضرائب فى ذلك العام، ولم تزد حصيلة الضرائب المباشرة عن 257.5 مليون جنيه عام 1971 بما يوازى نحو 30.9% من إجمالى حصيلة الضرائب فى ذلك العام. ولأن الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات يتحملها السواء الأعظم من الشعب ، فانه يمكن القول أن القطاعات العريضة من أبناء الشعب هى التى تحملت عبء تمويل الاستعداد لمعركة أكتوبر فى الفترة ما بين الحربين. وكان الشعب الثائر لوطنه وكرامته يقدم التضحيات دون حساب.
كما تزايد إصدار البنكنوت كآلية لتمويل الانفاق العام فيما يعرف بالتمويل بالعجز. فقد ارتفع حجم وسائل الدفع من 397.2 مليون جنيه فى يونيو 1960 إلى 761.5 مليون جنيه فى يونيو 1970 ثم إلى 866.6 مليون جنيه فى يونيو 1972 بنسبة نمو سنوية تقترب من 10%, كما زادت قيمة أذون الخزانة من 164 مليون جنيه فى العام المالى 59/1960 إلى نحو 375 مليون جنيه عام 69/1970 ، ثم إلى 459 مليون جنيه فى عام 1972.
تمويل العجز
وتلك السياسة النقدية المتمثلة فى التمويل بالعجز تعتبر عاملا رئيسيا مغذيا للتضخم. وكان التضخم مكبوتا فى الفترة ما بين حربى 1967, 1973 بسبب سياسة التسعير الجبرى للسلع الأساسية، لكنه انفجر فيما بعد حرب أكتوبر 1973 مع تخفيف سياسة التسعير الحكومى للسلع باتجاه إلغائها.
كما تقرر زيادة الرسوم الجمركية على السلع الكمالية الواردة للاستعمال الشخصى بنسبة 50%. كما تم قصر تجارة الجملة فى المواد والسلع التموينية الأساسية على القطاع العام. وكان الهدف من ذلك هو منع أى تلاعب فى تلك السلع وضمان وصولها إلى جماهير الشعب بأسعار مقبولة باعتبار أن توفيرها عنصرا مهما فى تحقيق الاستقرار السياسي.
ونظرا لتراجع معدل الاستثمار، فإن معدل النمو الحقيقى للناتج المحلى الاجمالى المصرى قد تراجع بشدة. كما أدى التوسع غير العادى لنشاط الدولة ودورها الاقتصادى فى زمن الطوارىء بين حربى 1967 ، 1973 ، إلى زيادة الاستهلاك الحكومى بمعدلات مرتفعة للغاية. وقد ارتفع الاستهلاك الحكومى بشكل مطرد من 488 مليون جنيه عام 1967 إلى نحو 1077 مليون جنيه عام 1973. وهذا يعنى أنه ارتفع خلال تلك الفترة بنسبة 120.7% أو بمتوسط سنوى قدره 20.1% خلال تلك الفترة، علما بأن المتوسط السنوى لزيادة الاستهلاك الحكومى خلال الفترة من 1960 - 1966 كان نحو 18.7%، رغم أن تلك الفترة شهدت موجة هائلة من الاستثمارات الحكومية فى بناء القطاع الصناعى العام واقامة بعض مشروعات البنية الأساسية الكبرى وعلى رأسها مشروع السد العالى أعظم مشروعات البنية الأساسية فى العالم بأسره. وبالمقابل فإنه رغم التزايد السريع فى عدد السكان فإن متوسط معدل التزايد السنوى للاستهلاك الخاص خلال الفترة من 67 - 1973 قد بلغ نحو 7.6% سنويا وهو أقل كثيرا من متوسط معدل تزايده فى الفترة من 1960 - 1966 والذى كان قد بلغ نحو 10.4% سنويا، وهو ما يعكس كبح الانفاق الخاص فى الفترة ما بين حربى 1967 ، 1973 من خلال الآليات المالية حيث تم فرض ضرائب جديدة وزيادة معدلات الضرائب التى كانت مفروضة. وتلك الاجراءات لم تجد أى معارضة أو تذمر فى ظل الاحساس الشعبى العام بضرورة ترشيد الاستهلاك الخاص إلى أقصى حد وتسخير كل الامكانيات الاقتصادية المصرية من أجل خوض جولة جديدة من الصراع العسكرى مع العدو لاستعادة الأرض والكرامة.
الاقتصاد القومي في حرب 73
شهدت فترة ما بين حربى يونيو 1967 وأكتوبر 1973 زيادة مؤثرة فى معدل التضخم العالمى الذى ارتفع من نحو 4.2% عام 1967 إلى 4.4% عام 1968 ثم إلى 5% عام 1969 ثم إلى 6% عام 1970 قبل أن يرتفع إلى 9,4% عام 1973. وكان ذلك الارتفاع مقدمة لبداية مرحلة التضخم السريع فى العالم بعد حرب أكتوبر 1973. وعلى أى الأحوال كان هذا التزايد فى معدل التضخم العالمى يعنى ببساطة أرتفاع تكلفة الواردات المصرية من الخارج . لكن تركيز التجارة الخارجية المصرية مع الدول الاشتراكية التى كانت أسعار صادراتها شبه ثابتة وتتحرك ببطء شديد ساعد على أن تبقى تكلفة وحدة الوزن من الواردات المصرية من الدول الاشتراكية شبه ثابتة أو تتحرك ببطء شديد وكان التعامل المصرى مع تلك الظروف والضغوط قويا وملهما، حيث ركزت مصر على الاعتماد على ذاتها بصورة أساسية فى تمويل استعداداتها للمعركة وركزت على التعاون فى مجالات التجارة والقروض والتمويل على الدول الصديقة وعلى رأسها الاتحاد السوفيتى وأيضا على الدول العربية الشقيقة.
مساندة الدول الصديقة لمصر
اعتمدت الادارة المصرية بدرجة معقولة على ذاتها فى تمويل الانفاق الدفاعى والاستعداد للحرب مدفوعة فى ذلك بطوفان من مشاعر الغضب الشعبى بسبب الهزيمة من إسرائيل فى يونيو 1967، والرغبة الشعبية فى خوض الحرب وتحقيق الانتصار على العدو الصهيونى بأى ثمن. ولذلك لم تتجاوز الديون الخارجية المدنية لمصر عند انتهاء حرب أكتوبر 1973 نحو 2.7 مليار دولار، يضاف إليها ديون عسكرية تقرب من 2 مليار دولار غالبيتها للاتحاد السوفيتى السابق وتلك الديون محدودة للغاية، خاصة إذا قورنت بما حصلت عليه الحكومة الصهيونية فى ذلك الحين من مساعدات خارجية. فبين عامى 1967 ، 1973 تزايدت الديون الخارجية المدنية الإسرائيلية بمقدار 4726 مليون دولار لتصل إلى 6792 مليون دولار. وهو مؤشر على حجم ما تلقته إسرائيل من قروض خلال تلك الفترة، هذا بالاضافة إلى التعويضات الألمانية والمنح الأخرى التى لا ترد. وكانت المساعدات الرسمية الأمريكية وحدها لإسرائيل قد بلغت نحو 4312 مليون دولار خلال الفترة من 1967 - 1974 منها نحو 1655 مليون دولار منح لا ترد والباقى قروض ميسرة.