الصباح العربي

الخميس، 23 مايو 2019 04:51 صـ
الصباح العربي

مقالات ورأى

الدكتور حاتم عبدالمنعم أحمد يكتب: الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والعصرالقبطي (5)

الصباح العربي

هناك خلاف أكاديمي يدور حول البداية التاريخية لحقبة العصر القبطي في مصر؛ لأنها متداخلة في الحقبة اليونانية الرومانية من منطلق أن مصر تحولت إلى ولاية رومانية قبل دخول المسيحية.

وإذا اعتبرنا أن العصر القبطي يرتبط بنشأة اللغة القبطية، عندئذ ستكون نقطة بداية هذه الحقبة في وقت ما من القرن الأول أو الثاني بعد الميلاد، وإذا كانت نقطة البداية مع دخول المسيحية مصر، يمكن ربطه مع بداية التقويم الميلادي من منطلق أن العصر القبطي هو تعبير عن الحقبة المسيحية.

ويرى كثير من المؤرخين أن العصر القبطي يبدأ عام 284 ميلادية، وهى السنة التي بدأ فيها أقباط مصر تقويمهم القبطي والمسمى بـ"تقويم الشهداء" في عهد دقلديانوس؛ لأنه في هذه الحقبة أخدت مصرمعلمًا وشكلًا حضاريًا جديدًا؛ حيث تغيرت اللغة إلى القبطية والديانة إلى المسيحية، وكان لذلك انعكاساته على كافة نواحى الحياة الفكرية والثقافية والحضارية، وأصبحت مصر - برغم تبعيتها السياسية من الناحية الرسمية إلى الدولة البيزنطية - موطنًا لحضارة جديدة، حيث لعبت مصر دورًا مهمًا في صياغة المسيحية على المستوى العالمي، وذلك من خلال وجود المدرسة اللاهوتية العريقة بالإسكندرية؛ حيث قادت الكنيسة المصرية المجامع المسكونية، كما قدمت مصر للعالم في هذا العصرحضارة، هي موضع فخر واعتزاز للمصريين، وتمثلت أهم المعالم الحضارية لهذا العصر في الآتي:

1- صياغة قانون الإيمان المسيحي فور انتشار المسيحية في مصر، أنشئت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وكان بها علماء مسيحيون على قدرعال من الحكمة والمقدرة؛ سواء في معرفة الكتب المقدسة، أو في الآداب الإنسانية والفلسفة واللغات، وكان يفد إليها المسيحيون من كل مكان للدراسة، وتخرج منها عدد كبيرمن البطاركة والأساقفة في مصر والبلدان المجاورة، وإليها يرجع الفضل في المركز القيادي المتميز الذي كان يأخذه البطريك القبطي في مختلف المجامع المسكونية التي عقدت في القرنين الرابع والخامس، وكان لكنيسة الإسكندرية موقع خاص ومتميز؛ حيث كانت تمثل النقاء والضمير الشعبي، هذا فضلا عن نفوذها الفكري من خلال خريجي مدرسة الإسكندرية اللاهوتية.

وفي عام 325م انعقد مجمع نيقية، وكان فارس هذا المجمع هو الأنبا أثناسيوس، وكان وقتها هو الشماس المرافق لبطريرك الإسكندرية، واستطاع الأنبا أثناسيوس أن ينتزع من المجمع قانون الإيمان المسيحي الذي مازال يُقرأ في جميع الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية في العالم إلى اليوم.

وفي عام 381م انعقد مجمع مسكوني آخر في مدينة القسطنطينية، وقد أعطيت رئاسة هذا المجع لبابا الإسكندرية، وتكرر نفس الشيء عام 431م.

ومن هنا، فإن كنيسة مصر لها أن تفخر بدورها القيادي في صياغة الفكر الديني المسيحي في القرون الأولى، ومن هنا فالمسيحية في مصر أصيلة الجذور مثلما هو الحال في كنيسة الفاتيكان.

2- الرهبنة ابتكار مصري وهي تعني أن يتفرغ إنسان وينقطع للعمل الديني والعبادة بكافة صورها، وهي فكرة مصرية يعترف بها الجميع؛ حيث نشأت في مصر من خلال الأنبا أنطونيوس في الفترة من250-356م؛ حيث بدأ بنفسه من خلال المعيشة في مغارات الجبال منفردًا للعبادة والصلاة والتقشف.

وجاء بعده القديس مكاريوس، ليضع قواعد الرهبنة في مجموعات متقاربة في صحراء وادي النطرون، وأخيرًا نظم القديس باخوميوس ما أصبح يعرف بحياة المشاركة في المعيشة داخل الدير.

3- الكنيسة المصرية مناضلة لاتبغي السلطة منذ أن دخلت المسيحية مصر، استقلت الكنيسة وبعدت عن الحكم، ولم تشارك في العمل السياسي، وفي هذا الأمر تختلف الكنيسة المصرية عن الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية؛ التي قامت بدور السلطة خلال العصور الوسطى في أوروبا، ومن هنا جاءت مقولة الكاتب والمفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقي: "مصر ليست وطنًا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا" التي كان يرددها الراحل البابا شنودة.

4- الكنيسة تسيطر داخليًا وتنتشر خارجيًا؛ حيث ظهرت في مصر في القرن الخامس، جماعة أصحاب رأي المشيئة والطبيعة الواحدة للمسيح، وظهرت نزعة للانفصال عن بيزنطة؛ ولذلك حاول الأقباط تنمية العلاقات مع الثقافات السامية من سريانية وحبشية وعربية، وقام الأقباط بالتبشير بالمسيحية في الحبشة، وكانت الكنيسة الحبشية تابعة لكنيسة الإسكندرية من القرن الرابع إلى أن استقلت عام 1952.

كما قامت الكنيسة المصرية بالتبشير بالمسيحية في فلسطين وسوريا والدول المحيطة، ومن هنا كان للكنيسة المصرية دور مهم ومؤثر وتاريخى في المسيحية بوجه عام، وعلى مستوى العالم..

وهذه كانت شهادة دكتور ميلاد حنا على العصر المسيحي في مصر، ومنه يتضح أن مصر كانت كسابق عهدها دائمًا حاضرة ومؤثرة، ولها عطاؤها المميز في كل أو معظم العصور، فهناك بصمة مصرية وحضارية وثقافية واضحة منذ عصر الفراعنة إلى مكتبة الإسكندرية إلى دور الكنيسة المصرية وريادتها وتأثيرها الواضح.

وبعد ذلك سيأتى دور الأزهر وريادته للعالم الإسلامي، فهذه هي مصر التي أعطت للحضارة البشرية، وأضافت أكثر مما أخذت، فهذا هو دورها عبر التاريخ، مثل الأم تعطي أكثر مما تأخذ.

ومن يتذكر مقولة "إن مصر أم الدنيا" التي علمت البشرية الزراعة والكتابة والعلوم الطبيعية والإنسانية من مكتبة الإسكندرية إلى الكنيسة المصرية إلى الأزهر الشريف، وأول مجمع للبحوث الإسلامية، وأول إذاعة للقرآن الكريم، وأول من جمعت المصحف في شرائط، ثم قادت في الستينيات حركات تحرير أراضي وثروات العالم الثالث، فهذه هي مصر أم الدنيا.

نقلًا عن الأهرام

الدكتور حاتم عبدالمنعم أحمد  الأعمدة السبعة الشخصية المصرية العصرالقبطي (5)

مقالات ورأى