بنت أسيوط التي هزت المسرح.. سر اعتناق دولت أبيض للإسلام في ذكرى رحيلها
تمر اليوم ذكرى رحيل الفنانة دولت أبيض، التي تركت بصمة عميقة في عالم المسرح والسينما العربية، بعد سنوات طويلة من الإبداع المتواصل الذي امتد لأكثر من خمسين عاماً، لتبقى رمزاً للعطاء الفني في مصر.
جاءت دولت أبيض إلى العالم في 29 يناير 1896 بمدينة أسيوط، واسمها الأصلي دولت حبيب بطرس قصبجي، من أب مصري يعمل مترجماً وأم روسية الأصل، ثم انتقلت الأسرة إلى الخرطوم.
فتلقت تعليمها هناك في مدرسة راهبات فرنسية، وبدأت موهبتها تظهر جلية من خلال أدائها التمثيلي بلغات مختلفة مثل العربية والإيطالية والإنجليزية، دون أن تتوقع أن يصبح الفن طريقها المهني.
اكتشفها الفنان عزيز عيد عام 1917 خلال حفل عائلي، فشجعها على الانضمام إلى فرقته، وبدأت مشوارها على الخشبة بأعمال مثل "الكونتيسة" و"خلى بالك من إيميلي" ثم "ليلة الدخلة"، وحققت إعجاباً فورياً دفعها نحو فرق أكبر.

انضمت لاحقاً إلى فرقة نجيب الريحاني، ثم إلى جورج أبيض الذي ارتبطت به عاطفياً وتزوجته عام 1923، فأصبحا ثنائياً بارزاً في تاريخ المسرح المصري، وحملت اسمه.
ثم بعدها سافرت مع فرق متنوعة، مثل فرقة أمين عطا الله إلى سوريا عام 1920، وانضمت إلى منيرة المهدية، وشاركت في أوبريت "شهرزاد" لسيد درويش عام 1921، وبعد ذلك مثلت "ريا وسكينة" مع الريحاني، ثم مع زوجها في فرقة يوسف وهبي أعمالاً شهيرة كـ"لويس الحادي عشر" و"عطيل" و"الأب ليبونار" و"الجريمة والعقاب" و"كليوبترا".
ويذكر أن الفنانة الراحلة دولت أبيض برعت في تجسيد شخصيات الملكات والسيدات الأرستقراطيات والأمهات الصارمات، بقدرة فريدة على إظهار القسوة على الخشبة، رغم أن شخصيتها الحقيقية كانت مليئة بالحنان تجاه بناتها.
كما شاركت في تأسيس الفرقة القومية عام 1935 براتب متواضع قدره 35 جنيهاً، وقدمت أدواراً رئيسية في مسرحيات مثل "الملك لير" و"شمشون ودليلة" و"مضحك الملك" و"الشعلة المقدسة" و"المعجزة" و"غادة الكاميليا"، قبل أن تتركها عام 1944.
أقامت مسرحاً يحمل اسمها في حدائق القبة عام 1944، ثم حوّلته إلى سينما هونولولو بعد عامين، وأصبح من أبرز دور العرض، إلى أن احترق في حريق القاهرة عام 1952.

ويذكر أنها بدأت تجربتها السينمائية عام 1930، وأدت نحو ثلاثين فيلماً، لتصبح من أيقونات الأمهات في السينما، ومن أعمالها البارزة "زينب" و"الوردة البيضاء" و"دايماً في قلبي" و"ظلموني الحبايب"، واختير فيلمان لها ضمن أفضل مئة فيلم مصري حسب استطلاع 1996، وهما "المراهقات" عام 1960 و"إمبراطورية ميم" عام 1972.
ونالت تكريمات عديدة، مثل الجائزة الثانية للتمثيل عام 1925 والأولى للكوميديا عام 1926، ووسام الدولة للفنون عام 1960.
مع العلم انها عاشت حياة شخصية مليئة بالتحديات، تزوجت مرتين، الأولى مبكراً من خارج الوسط الفني وفقدت زوجها شابة، ثم من جورج أبيض وأنجبت سعاد، ومن الزواج الأول إيفون، وواجهت قطيعة عائلية بسبب دخولها الفن.
أعلنت عام 1953 اعتناق الإسلام مع زوجها وبنتيهما، متأثرة بصوت الشيخ محمد رفعت في الأذان والقرآن، وبعد رحيل زوجها طبعت مئة ألف نسخة من القرآن مترجمة إلى الفرنسية وأرسلتها إلى السفارة المصرية في باريس صدقة على روحه، وأمضت سنواتها الأخيرة مع أحفادها في قراءة القرآن وسماعه.
غادرت العالم في 4 يناير 1978 بعد أزمة صحية في المخ، تاركة إرثاً فنياً وإنسانياً غنياً، فهي كونتيسة المسرح التي أعطت حياتها كلها للفن.


