من النصوص الحرفية إلى الواقع: أين يقف اتفاق الحكومة السورية و«قسد» اليوم؟
أثار الإعلان عن النص الحرفي لـ""الاتفاق الشامل"" بين الحكومة السورية و""قسد"" اهتمامًا واسعًا في أوساط متابعي أخبار السياسة، لما يحمله من تحولات مفصلية في شكل العلاقة بين دمشق و""قوات سوريا الديمقراطية"". فالوثيقة، المؤرخة في 29 يناير/كانون الثاني، لا تقتصر على إعلان وقف نار، بل ترسم خريطة طريق تفصيلية لدمج عسكري وإداري يمتد على مراحل محددة، وصولًا إلى التزامات طويلة الأمد بين الطرفين.
لكن بعد مرور وقت على التوقيع، يبقى السؤال الأهم: ماذا تغيّر فعليًا؟ وأين نقف اليوم مقارنة بما كُتب في بنود الاتفاق؟
أولًا: وقف إطلاق النار… بين النص والواقع
ينص البند الأول على إعلان وقف إطلاق نار دائم وشامل، مع وقف عمليات الاعتقال والمداهمات المرتبطة بالأحداث الأخيرة.
ماذا حدث فعليًا؟
-
سُجلت تهدئة واضحة في العديد من نقاط التماس.
-
انخفضت وتيرة الاشتباكات المباشرة بين الطرفين.
-
لم تقع مواجهات واسعة كالتي سبقت الاتفاق.
لكن بالمقابل، لم يخلُ المشهد من توترات موضعية محدودة. هذا يعني أن الهدنة تحققت نسبيًا، لكنها لا تزال هشّة وتعتمد على التفاهمات السياسية أكثر من كونها استقرارًا مستدامًا بالكامل.
الخلاصة هنا: بند وقف النار هو الأكثر التزامًا مقارنة ببقية البنود، لكنه لا يزال بحاجة إلى تثبيت طويل الأمد.
ثانيًا: سجون داعش… التغيير الأكثر حساسية
النص الحرفي للاتفاق نصّ على استمرار «قسد» في حماية سجون تنظيم داعش، مع تقديم دعم لوجستي لعمليات الإخلاء الجارية.
اليوم… هل ما زالت «قسد» تحمي السجون كما كان سابقًا؟
الواقع الميداني يشير إلى تغيّر واضح في هذا الملف:
-
لم تعد «قسد» تتحمل وحدها العبء الأمني الكامل كما قبل الاتفاق.
-
حصلت إعادة ترتيب في الإشراف والحماية، سواء عبر تنسيق مع جهات حكومية أو ترتيبات انتقالية.
-
تغيّر شكل الإدارة الأمنية في بعض المواقع الحساسة.
هذا التطور يعني أن الصيغة التي وردت حرفيًا في الاتفاق لم تعد قائمة بالطريقة ذاتها. قد يكون ذلك نتيجة إعادة توزيع أدوار أو جزءًا من مسار دمج أوسع، لكنه في جميع الأحوال يعكس تحولًا عمليًا عمّا نصّت عليه الوثيقة الأصلية.
وهنا يمكن القول إن هذا البند تحديدًا شهد تعديلًا واقعيًا في التطبيق.
ثالثًا: الدمج العسكري… العقدة الأكبر
الاتفاق تحدث بوضوح عن:
-
تشكيل فرقة عسكرية في الحسكة.
-
دمج قوات «قسد» ضمن ثلاثة ألوية.
-
إدماج القوات في كوباني ضمن لواء يتبع لفرقة في حلب.
أين نقف اليوم؟
حتى الآن:
-
لم يتم إعلان هيكلية نهائية واضحة لدمج كامل.
-
لم يصدر قرار رسمي يحدّد شكل القيادة الموحدة بصورة نهائية.
-
ما تزال تفاصيل الاندماج محل تفاوض.
السبب الأساسي يبدو أنه خلاف حول كيفية الدمج:
-
هل يتم الدمج كأفراد ضمن وحدات الجيش؟
-
أم تبقى «قسد» كتلة موحدة داخل المؤسسة العسكرية؟
هذا الخلاف التقني في ظاهره، سياسي في جوهره، لأنه يمس مسألة الهوية العسكرية والاستقلالية.
الخلاصة: بند الدمج العسكري لم يُنفّذ بالكامل حتى الآن، وما زال في طور التفاوض العملي.
رابعًا: الانتشار الأمني داخل المدن
من البنود المهمة:
-
دخول سيارات أمنية لتعزيز الاستقرار.
-
بدء دمج قوات الأمن التابعة لـ«قسد» ضمن وزارة الداخلية.
-
منع دخول القوات العسكرية إلى المدن، خاصة المناطق الكردية.
ماذا تحقق؟
-
شهدت بعض المدن انتشارًا أمنيًا جديدًا.
-
ظهرت ترتيبات ميدانية تقلل الاحتكاك العسكري داخل المراكز الحضرية.
-
لم تحدث عمليات اقتحام واسعة للمدن.
لكن الدمج الكامل للأجهزة الأمنية لم يعلن رسميًا كمنجز مكتمل. يبدو أن العملية تدريجية، وقد تكون خاضعة لاختبارات ميدانية قبل تثبيتها بشكل نهائي.
خامسًا: استلام المواقع الحيوية… النفط والمطار
نص الاتفاق على:
-
استلام حقول رميلان والسويدية من قبل وزارة الطاقة.
-
استلام مطار القامشلي من قبل هيئة الطيران المدني.
-
تنظيم المعابر الحدودية ومنع إدخال السلاح.
أين نحن الآن؟
-
✔️ مطار القامشلي: انتقلت إدارته فعليًا إلى الجهات الحكومية، وهو البند الأكثر وضوحًا في التنفيذ.
-
حقول رميلان والسويدية النفطية: هناك تنسيق وتوسّع في حضور مؤسسات الدولة، لكن لا يوجد إعلان رسمي يؤكد استلامًا إداريًا كاملاً ونهائيًا لكل الحقول.
-
المعابر الحدودية: الملف لا يزال قيد الترتيب والتنسيق، دون إعلان شامل عن استلام كامل للإدارة.
الخلاصة: التنفيذ تحقق جزئيًا، خاصة في ملف المطار، لكنه لم يكتمل بصورة شاملة في ملف النفط والمعابر. لذلك يمكن القول إن النقطة الخامسة قيد التنفيذ المرحلي، ولم تُغلق نهائيًا بعد.
سادسًا: المؤسسات المدنية والموظفون
أحد البنود الأكثر حساسية كان:
-
دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة.
-
تثبيت الموظفين المدنيين.
-
تسوية الشهادات التعليمية.
-
مناقشة الخصوصية التعليمية للمجتمع الكردي.
حتى اللحظة:
-
لم تُعلن عملية دمج إدارية شاملة ونهائية.
-
لا تزال بعض الهياكل المحلية تعمل بصيغتها القائمة.
-
لم يصدر قرار شامل يوحّد كل الأنظمة الإدارية تحت إطار واحد بصورة كاملة.
هذا يعني أن مسار "إنهاء الازدواج الإداري" لم يتحقق بالكامل بعد، وإن كانت هناك خطوات تمهيدية.
سابعًا: ملف النازحين… لم يُحسم بعد
العودة الآمنة للنازحين، خاصة من عفرين ورأس العين والشيخ مقصود، كانت من أكثر البنود أهمية رمزية وإنسانية.
حتى الآن:
-
لم تُعلن خطة شاملة وواسعة النطاق لإعادة جميع النازحين.
-
ما تزال الظروف الأمنية والسياسية عائقًا في بعض المناطق.
هذا الملف لا يزال مفتوحًا، وربما يكون اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية التنفيذ في المرحلة المقبلة.
أين نقف اليوم؟
يمكن تلخيص الوضع الحالي كالتالي:
-
وقف إطلاق النار تحقق نسبيًا.
-
ملف سجون داعش تغيّر عمليًا عن الصيغة الأصلية.
-
الدمج العسكري لم يكتمل.
-
الدمج الإداري يسير ببطء.
-
ملف النازحين لم يُحسم.
الاتفاق لم يفشل، لكنه أيضًا لم يُنفّذ بالكامل كما ورد حرفيًا. نحن اليوم في مرحلة انتقالية: لا عودة إلى ما قبل الاتفاق، ولا وصول كامل إلى ما وُعد به في نصوصه.
في النهاية
الاتفاق كان خطوة سياسية جريئة لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق و«قسد». لكن بين النصوص المكتوبة والواقع الميداني فجوة طبيعية في أي تسوية معقدة بهذا الحجم.
اليوم، يمكن القول إن المسار مفتوح، لكنه غير مكتمل. النجاح النهائي سيتوقف على قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات المرحلية إلى بنية دائمة واضحة، خاصة في ملفات الدمج العسكري، وإدارة السجون، وتوحيد المؤسسات.
فالاتفاق وُقّع بالفعل… لكن اختباره الحقيقي ما زال مستمرًا.


