كيف أصبحت الهواتف الذكية منصة رئيسية للترفيه الرقمي
لم يعد الترفيه “مكاناً” نذهب إليه، بل شيئاً نخرجه من جيبنا، في القطار، في طابور طويل، أو حتى بين شوطين من مباراة، يفتح الهاتف نافذة صغيرة على عالم واسع: مقطع قصير يبتلع دقيقة، حلقة مسلسل تقضم ساعة، بث مباشر يشدك بلا موعد، ثم قائمة موسيقى تعرف مزاجك قبل أن تصفه، ما جعل الهاتف الذكي يتجاوز كونه جهاز اتصال هو مزيج من ثلاثة أشياء: شاشة باللمس صارت لغة عامة، متجر تطبيقات حوّل الهاتف إلى منصة، وشبكات نقل بيانات جعلت الفيديو والموسيقى أمراً طبيعياً لا “تحميلًا” ثقيلًا، ومع مرور السنوات، صار الهاتف هو جهاز الترفيه الأكثر شخصية: لا يعرض ما هو موجود فقط، بل يقترح ما “يشبهك”.
2007 ليس رقماً عادياً… إنه بداية العادة الجديدة
يحب الناس وضع بداية واضحة للزمن، وكأن التاريخ يحتاج صفارة بداية، كثيرون يربطون ولادة “الهاتف كمنصة ترفيه” بالإطلاق المفصلي للـ iPhone (الجيل الأول): أُعلن عنه في 9 يناير 2007، وأُطلق في الولايات المتحدة في 29 يونيو 2007.
الفكرة لم تكن في الاسم وحده، بل في التحول الثقافي: شاشة لمس كبيرة، تصفح ويب فعلي، ثم إحساس أن الهاتف يمكن أن يكون جهازاً للقراءة والمشاهدة مثل أي شاشة أخرى.
متجر التطبيقات: عندما أصبح الهاتف مدينةً لها شوارع
لو كان الهاتف كتاباً، فمتجر التطبيقات هو المكتبة التي لا تنام، App Store افتُتح في 10 يوليو 2008، وجاء iPhone 3G في اليوم التالي محمّلاً بدعم المتجر.
على الضفة الأخرى، بدأ متجر أندرويد بوصفه Android Market ضمن تاريخ إطلاقات 2008 قبل أن يُعاد تقديمه تحت علامة Google Play في 2012.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الهاتف جهازاً واحداً بقدرات ثابتة، بل منصة تتغير بإضافة “أحياء” جديدة: تطبيقات فيديو، ألعاب، أدوات تحرير، بث مباشر، ثم كل ما يخطر على بالك من طرق لقتل الوقت أو صناعته.
الفيديو يغزو الجيب: من يوتيوب إلى تيك توك
الفيديو كان دائماً سيد الترفيه، لكنه احتاج أن يصير سريعاً وخفيفاً، YouTube تأسس في 14 فبراير 2005 على يد تشاد هيرلي وستيف تشين وجاود كريم. ومع الوقت صار الهاتف هو جهاز المشاهدة الأكثر استخداماً: لأن الفيديو لم يعد يتطلب “جلسة”، بل يكفي أن تمس الشاشة.
ثم جاء الفيديو القصير كنوع لا يطلب صبراً، Douyin أُطلق في 20 سبتمبر 2016 بواسطة ByteDance (قبل أن تتوسع العلامة دولياً باسم TikTok)، هنا تغيّر معنى الترفيه نفسه: لم يعد “ما ستشاهده”، بل “ما سيأتيك” تباعاً، قطعةً بعد قطعة، حتى تصبح الدقائق خردة زمنية تتناثر على السرير.
منصات البث: التلفاز لم يمت… لكنه انتقل إلى شاشة أصغر
في يناير 2007، بدأت Netflix العمل كخدمة بث (بعد أن انطلقت الشركة أساساً في 1997 كنشاط أقراص DVD)، هذا التفصيل مهم لأن الهاتف لم يصبح منصة ترفيه كبرى إلا عندما صار بإمكانك متابعة مسلسل في أي مكان، ثم إيقافه واستكماله على جهاز آخر.
وبالمثل، أُطلقت Disney+ رسمياً في 12 نوفمبر 2019 في الولايات المتحدة وكندا وهولندا (بعد تجربة مبكرة في هولندا).
الهاتف هنا لم ينافس التلفاز فقط؛ بل فرض، إيقاعاً جديداً: مشاهدة فردية، سماعات أذن، وقرار سريع: حلقة الآن أم لاحقاً؟
الموسيقى والبودكاست: سماعة صغيرة تغيّر مزاج مدينة
إذا كان الفيديو يأخذ العين، فالصوت يأخذ الوقت من دون أن يطالبك بالتفرغ، Spotify أُطلق في 7 أكتوبر 2008، وتأسس على يد دانيال إيك ومارتن لورنتزون، وApple Music أُطلق في 30 يونيو 2015.
هذه الخدمات جعلت الهاتف أشبه بمذياع شخصي شديد الذكاء: قوائم تشغيل، اكتشاف أسبوعي، ثم بودكاست يحول الطريق اليومي إلى فصل من كتاب مسموع والنتيجة أن الترفيه لم يعد مرتبطاً بغرفة الجلوس؛ صار مرتبطاً بخطواتك.
البث المباشر والألعاب: الجمهور لم يعد صامتاً
الهواتف لم تكتفِ بالمشاهدة؛ بل سمحت بالمشاركة والظهور، من هذا الباب خرجت ثقافة البث المباشر للألعاب، يُذكر في سيرة Justin Kan أن TwitchTV انطلق رسمياً كبيتا عامة في 6 يونيو 2011 بعد فصل محتوى الألعاب عن Justin.tv.
وهنا يحدث شيء يشبه انقلاباً صغيراً: الترفيه ليس ما تنتجه الشركات وحدها، بل ما يصنعه الأفراد أيضاً—لاعب يبث، جمهور يعلّق، ومجتمع يتكون حول لحظة مباشرة.
الرهان الرياضي على الهاتف: الشاشة الثانية التي تسير مع المباراة
مع ازدياد استهلاك الترفيه عبر الهاتف، توسعت “الرياضة على الجيب” أيضاً: نتائج لحظية، مقاطع أهداف، تحليلات، وإشعارات تتدفق مع كل دقيقة، في هذه البيئة، يظهر الرهان كطبقة رقمية إضافية لبعض المتابعين، لأنهم يربطون متابعة المباراة بتغير الاحتمالات قبل البداية وخلال اللعب، ويُدرج بعض المشجعين خيارتحميل تطبيق ميلبيت ضمن أدوات المتابعة التي تجمع جدول المباريات والأسواق والإحصاءات في واجهة واحدة، بينما تبقى القاعدة البديهية أن الأرقام لا تلغي المفاجأة وأن الانضباط أهم من الحماس عندما يقترب الترفيه من المال.
لماذا الآن بالذات؟ لأن 5G جعل “الانتظار” شيئاً من الماضي
الفرق بين هاتف يعرض الترفيه وهاتف يعيش الترفيه هو الشبكة، ويكيبيديا توثق أن أول نشر تجاري كامل لـ 5G كان في كوريا الجنوبية في 3 أبريل 2019، مع إطلاقات أخرى لاحقاً في نفس اليوم بالولايات المتحدة،
هذا النوع من البنية التحتية خفف الفجوة بين “تشغيل” و“تحميل”، فصار الفيديو أعلى جودة، والبث المباشر أقل تقطعاً، والألعاب أكثر اتصالاً—وبالتالي صار الهاتف منصة ترفيه “طبيعية” لا تحتاج تبريراً.
الخلاصة
الهواتف الذكية لم تسرق الترفيه من الأجهزة الأخرى بقرار عدائي؛ هي فقط أعادت ترتيب الأولويات: شاشة في متناول اليد، تطبيقات تُفصّل التجربة، وشبكات تجعل المحتوى فورياً، من iPhone الأول إلى متاجر التطبيقات، ومن YouTube إلى TikTok، ومن Netflix إلى خدمات الصوت، صار الهاتف هو المكان الذي تتقاطع فيه القصص والصوت والرياضة واللعب، والسؤال اليوم لم يعد: “هل الهاتف منصة ترفيه؟” بل: “كيف ندير هذه المنصة كي لا تديرنا؟”.














