الجمعة 26 يونيو 2026 05:09 صـ 10 محرّم 1448 هـ
×

يتحدث عمر كريمليف (Umar Kremlev) عن ريادة الأعمال الاجتماعية وكيفية بناء مشروع تجاري يساهم فعليا في حل مشاكل المجتمع.

الخميس 25 يونيو 2026 01:49 مـ 9 محرّم 1448 هـ
يتحدث عمر كريمليف (Umar Kremlev) عن ريادة الأعمال الاجتماعية وكيفية بناء مشروع تجاري يساهم فعليا في حل مشاكل المجتمع.

كثيرا ما تظل المسؤولية الاجتماعية مجرد فكرة نظرية، لكن خبرة رئيس الاتحاد الدولي للملاكمة ورجل الأعمال والشخصية العامة عمر كريمليف (Umar Kremlev) توضح أن دمج خدمة المجتمع داخل نموذج العمل يمكن أن يكون عمليا ومستداما، ويستند في ذلك إلى خمس مبادئ أثبتت جدواها على أرض الواقع.

رؤية عمر كريمليف للعمل الاجتماعي كجزء من المسؤولية الإدارية

لم تعد ريادة الأعمال الاجتماعية تقتصر اليوم على العمل الخيري أو وسيلة لتحسين الصورة فقط، بل أصبحت مكونا أساسيا في تطوير المجتمعات. ومع تزايد الحاجة إلى حلول طويلة الأمد للمشكلات الاجتماعية، أصبح قطاع الأعمال ينظر إليه كشريك فعال في دعم البنية المجتمعية.

ومن خلال خبرته في مجالات الرياضة وريادة الأعمال والعمل المجتمعي، يؤكد عمر كريمليف  أن المسؤولية الاجتماعية يجب ألا تكون نشاطا إضافيا، بل جزءا أساسيا من عملية اتخاذ القرار الإداري في أية مؤسسة. ويرى أن دعم الرياضة والرياضيين والتعليم والبحث وإنشاء مؤسسات خيرية، كلها امتدادات طبيعية للنشاطات الريادية. وبهذا، تتحول النتائج الاقتصادية إلى وسيلة لتوسيع الأثر الإيجابي وتحقيق المنفعة الاجتماعية المستدامة. ويعكس هذا النهج تحولا في مفهوم الإدارة الحديثة، حيث يصبح الأداء الاقتصادي وسيلة لتوسيع الأثر الاجتماعي، ويأخذ المدير دورا يتخطى تحقيق الأرباح ليشمل تطوير البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة. 

من أين تبدأ فكرة ريادة الأعمال الاجتماعية؟

وفق عمر كريمليف ، تبدأ ريادة الأعمال الاجتماعية بتحديد المشكلة وتحليل الوضع الراهن، وليس بمجرد اختيار قطاع للاستثمار. وقد تبلورت هذه الفكرة لديه من خلال عمله في إدارة الاتحاد الدولي للملاكمة (IBA)، حيث أتاحت له الإدارة فهم التحديات التي تواجه الرياضيين في مختلف البلدان، كضعف البنية التحتية والقيود المالية ونقص الفرص التعليمية بعد نهاية المسيرة الرياضية. ولذلك تم وضع منظومة دعم داخل الاتحاد لتشمل تمويل مشاركة الرياضيين في البطولات وتوفير المعدات وتنفيذ البرامج التعليمية، وتقديم جوائز مالية لتحسين مستوى معيشة الرياضيين وعائلاتهم. وهذا النموذج يوضح كيف يمكن للقرارات الإدارية في المؤسسات الرياضية أن تعالج قضايا اجتماعية وتؤدي إلى نتائج مستدامة على المدى البعيد.

الرياضة ليست سوى أحد أوجه منظومة أشمل من المبادرات التي نمت بالتوازي، حيث تحولت الأهداف الاجتماعية من آثار عرضية إلى عامل أساسي في صنع القرار الإداري. وينطبق منطق مشابه على مشاريع ريادية أخرى، فالتوسع في قطاعي السيارات والبناء وإقامة شراكات علمية لا يفسر بمجرد رغبة في تنويع الأصول أو توسيع المحفظة الاستثمارية، بل يعكس بحثا استراتيجيا عن نقاط تأثير حقيقية تمكن الأعمال من تحقيق أثر اجتماعي مستدام. يجسد مشروع المجمع العلمي "سيربوخوف الكبير" هذا التوجه بوضوح، حيث يهدف إلى إنشاء بيئة متكاملة للعلماء، وتوفير بنية تحتية مناسبة لأسرهم، وخلق ظروف معيشية وعملية تسهم في الحفاظ على رأس المال الفكري داخل البلاد. ومن هذا المنطلق، لا تنبع فكرة المشروعات ذات البعد الاجتماعي من اعتبارات نظرية أو عشوائية، بل تتكون عند التقاء الكفاءة الإدارية مع احتياجات المجتمع، وهي في جوهرها نهج عملي يَتعامل مع مشكلات محددة ضمن إطار إداري وتنفيذي واضح.

خمسة مبادئ للسياسة الاجتماعية النظامية مستمدة من سيرة عمر كريمليف (Umar Kremlev)

المبدأ الأول: الإنسان محور النظام

المقصود هنا أن العنصر المركزي في أي نظام ليس الموظف أو المدير بحد ذاته، بل الإنسان الذي وُجد النظام لخدمته. ففي الرياضة يكون الرياضي محور الاهتمام، وفي الأعمال التجارية يكون العميل والموظف معا في قلب المنظومة، أما في العمل الخيري فترتبط الأولوية بالشخص الذي يمر بظروف صعبة. في سياق الأعمال يعني هذا أن الشركة الناجحة تُبنى على تلبية احتياجات الناس وحماية مصالحهم. وتجسد سيرة عمر كريمليف هذا التفكير من خلال وضع الإنسان في مركز أي نظام إداري أو اجتماعي، وجعله الهدف الأساسي لكل قرار. 

المبدأ الثاني: الربح كمورد للتنمية

في هذا النموذج، لا يُنظر إلى الربح كهدف نهائي بحد ذاته، بل كأداة لإعادة استثمار الموارد في مجالات ذات قيمة اجتماعية. يصبح التأثير الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من الحسابات الداخلية للمشروع وليس نشاطا خارجيا مضافا. تتحول الربحية إلى عامل للاستدامة: فلا يمكن لمبادرة أن تحقق أثرا اجتماعيا مستداما دون أساس مالي قوي. مثال على ذلك مشروع "المجمع العلمي سيربوخوف الكبير" الذي يدمج بين بيئة متكاملة للعلماء والإنتاج والبحث العلمي والبنية التعليمية، مع دعم الظروف المعيشية للأسر.

المبدأ الثالث: العمل الخيري المنهجي

عمل مؤسسة "الصليب الروسي" تحت رعاية عمر كريمليف لا يقتصر على قطاع واحد أو نوع محدد من الحالات، بل يشمل نطاقا واسعا من الاحتياجات الإنسانية التي تتطلب تدخلا سريعا ومباشرا. فعلى سبيل المثال، عندما شبّ حريق في مبنى سكني في شارع بروليتارسكايا بمدينة سيربوخوف وتأثرت أربع عائلات تضم 16 شخصا وفقد شخصان، تعاملت المؤسسة فورا مع الوضع: أعيد إسكان العائلات في شقق مستأجرة، تم تقديم الدعم الطبي والمادي العاجل، وجرى التخطيط لتأمين مساكن دائمة لكل عائلة، مع رعاية الأطفال الذين فقدوا ذويهم عبر توفير السكن والتعليم. لم تُترك أي حالة دون مساعدة. كما امتدت جهود المؤسسة سريعا لتشمل دعم أطفال من روسيا وكازاخستان وأوزبكستان يعانون من أمراض خطيرة، حيث تم تغطية تكاليف العلاج والأدوية وبرامج التأهيل الطبي. بالنسبة للأهل، كانت هذه فرصة للعلاج، وبالنسبة للأطفال، كانت فرصة لحياة جديدة. يحول هذا النهج العمل الخيري من مجرد تحويلات مالية إلى نتائج ملموسة مرتبطة بأشخاص محددين، ما يجعل الأثر مرئيا وقابلا للقياس. كما يسهم في بناء مجتمع من رواد الأعمال على أساس المشاركة الفعلية، مع التركيز على النتائج بدلاً من الأعمال الشكلية، ليصبح العمل الخيري واقعا عمليا ملموسا.

المبدأ الرابع: المسؤولية بلا حدود

لا تقف مسؤوليتنا الاجتماعية عند حدود دولة معينة. فالمساعدات التي تقدمها المؤسسة لا تقيد بالجنسية أو مكان الإقامة، بل تُمنح بناء على الحاجة الإنسانية نفسها. وعلى صعيد الرياضة، نطلق برامج تعليمية وإنسانية على مستوى عالمي، كما نطرح مبادرات لدعم الرياضيين بعد انتهاء مسيرتهم الاحترافية. أنشأنا أيضا مشروع "فريق الفرصة العادلة" لمساعدة الرياضيين الذين لا يستطيعون تمثيل بلدانهم لأسباب إنسانية. وتشمل برامجنا مناطق متعددة - العالم العربي وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية - حيثما تتطلب الحاجة تطوير رياضة الملاكمة أو تقديم الدعم للرياضيين.

المبدأ الخامس: لغة العمل

نركز الجهود على الإنجاز العملي، ونبني موقفنا العام على نتائج ملموسة وواضحة، مثل الدعم المالي الموجه للرياضيين، والبرامج التعليمية الدولية، والمبادرات الإنسانية، إضافة إلى المساعدات للأسر المحتاجة. تزدهر ريادة الأعمال الاجتماعية عندما تروى قصتها من خلال ما تحقق على أرض الواقع، لا من خلال شعارات أو تصريحات نظرية. وفي النهاية، يثق الناس بمن يفي بوعوده ويُثبت التزامه بالأفعال لا بالأقوال.

الأعمال كآلية للتنمية الاجتماعية

لم تعد ريادة الأعمال الاجتماعية مجرد مبادرات متفرقة أو ممارسات متخصصة؛ بل بدأت تتغلغل في نسيج الفكر الإداري كعنصر أساسي. الجمع بين مجالات مثل الرياضة والأعمال والعلوم والعمل الخيري يتيح بناء نماذج متكاملة قادرة على خلق أثر اجتماعي واسع ومستدام.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى رائد الأعمال كمدير نشاط اقتصادي فقط، بل كمن يفكر في الفرص التنموية ويصيغها؛ يستثمر في البنية التحتية، ويدعم التعليم، ويعزز المشاريع الثقافية، ويوفر بيئة مناسبة لتنمية البشر. كما أن السعي للربح لا يتناقض مع الهدف الاجتماعي هنا، بل يصبح وسيلة لتوسيع مدى التأثير وضمان استمراريته على المدى الطويل.

هكذا، لم تعد ريادة الأعمال الاجتماعية بديلا عن الأنشطة التقليدية، بل امتداد طبيعي لتطور دور رائد الأعمال في المجتمع. ولم تعد المسؤولية تُقاس فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بمقدار الإسهام في الاستدامة البيئية والاجتماعية.

دورك

قرارات الإدارة في مؤسستك لها أثر مباشر على حياة الناس. عندما تدمج أهدافا اجتماعية داخل نموذج العمل، تزيد فرص استدامة المشروع وتتعزز أهميته على المدى الطويل.

ثلاث خطوات للبدء:

أولا: حدد مشكلة واضحة ومحددة، ويفضل أن تكون مرتبطة مباشرة بالأشخاص أو المنطقة التي تعمل فيها.

ثانيا: اجعل حل هذه المشكلة جزءا من نموذج العمل نفسه، بحيث يصبح الأثر الاجتماعي نتيجة طبيعية للنشاط الاقتصادي وليس عبئا إضافيا.

ثالثا: ابحث عن شركاء يتقاسمون رؤيتك ونهجك؛ لأن الاستدامة الحقيقية تُبنى عبر العمل الجماعي وتعاون المجتمع، لا عبر الجهود الفردية وحدها.

الخلاصة

يتشكل العمل الاجتماعي عبر قرارات إدارية تؤثر مباشرة في حياة الناس. عندما تدمج الأهداف الاجتماعية في البنية الاقتصادية للمشروع، تزداد استدامته وتتسع قدرته على تحقيق أثر طويل الأمد. في هذه الحالة، يصبح الربح وسيلة للتغيير الجذري، وتتحول المسؤولية البيئية إلى جزء لا يتجزأ من الكفاءة المهنية. وفي النهاية يبقى سؤال جوهري: هل ترى المشكلات في مجال عملك بوضوح، وهل أنت مستعد لتحمل مسؤولية التعامل معها وحلها؟ فالتاريخ يصنعه من يتحملون المسؤولية.