الصباح العربي

الإثنين، 19 نوفمبر 2018 09:47 م
الصباح العربي

مقالات ورأى

◀ د. شوقى السيد يكتب: فى باب تحقيق العدل بين سرايا المحاكم والنيابات!

الصباح العربي


تجرى المحاكمات وتسير التحقيقات الجنائية منذ قديم، يُثبَّت فى محاضرها أنها تجرى فى سرايا النيابة، وهى أوصاف كانت تعبر عن حقيقة الأوضاع، وتتفق مع مكانة المحاكم والنيابات من حيث الشكل والمضمون، ومازالت هذه الأوصاف موجودة فى الدول الأجنبية حيث توصف مقار العدالة بالقصور، وتتباهى الدول بذلك، فمن يزور باريس مثلاً يجد من معالمها قصر العدالة وإحدى محطاتها العامة، وكذلك فى بعض الدول العربية مثل الكويت اذ تعبر عن مقار المحاكمات بقصر العدالة وهو تعبير حقيقى من حيث الأوصاف والمضمون.

لكن المدهش أن تطور الأحوال فى مصر قد وصل بنا الى ما لا يمكن أن يصدقه العقل، رغم وجود مسئول كبير بدرجة مساعد وزير لشئون المحاكم وأبنية العدالة ، ورغم ما ينص عليه الدستور من مواد عديدة بشأن تعزيز الحقوق والحريات وضمان شئون سير العدالة وتيسير إجراءاتها وتقريب جهات التقاضى الى المتقاضن.

وباستثناء ما تم من إقامة بعض الأبنية الجديدة الفاخرة، فى عواصم بعض المحافظات لمجمعات المحاكم والنيابات، وما تم من تطورات فارهة كالمحكمة الدستورية العليا أو مبنى النائب العام وبعض الأبنية للنيابات والمحاكم المتخصصة - وهو تقدم ملموس - لكن الغالبية العظمى من دور المحاكم والنيابات فى المراكز والمدن وفى بعض المناطق الشعبية فى القاهرة والمحافظات مازالت فى حال لا يسر الناظرين ولا يكاد يصدقه المتقاضوين، بل إن السادة القائمين على شئون العدالة فى دور المحاكم والنيابات الجزئية والكلية، اذ يمارسون سلطاتهم واختصاصاتهم فى مبانٍ لا يصدقها العقل، ولا يقبلها المنطق، ولا تمكنهم من آداء عملهم بيسر وسهولة، نحو تحقيق العدل بكفاية وإنصاف.

يحدث ذلك رغم ما يشهد به التراث القضائى فى مصر من سرايا المحاكم والنيابات التى تحمل التاريخ والآثار النادرة، ولعل سرايا الحقانية بالإسكندرية ودار القضاء العالى بالقاهرة وغيرها خير شاهد ودليل على حالنا فى التاريخ القديم بيد أن ما حدث من انهيار فى أبنية المحاكم والنيابات رغم تقدم الميكنة ونظم المعلومات ورغم التطور الهائل فى عدد السكان والقضايا ، وما نواجهه من قضايا جديدة فى طبيعة الجرائم أو نوع المتهمين، واتساع المساحات والتجمعات بالمناطق العمرانية الجديدة، ومع وجود بعض الأبنية الكبرى القديمة التى تعرضت للعدوان إبان الثورة عام 2011 ومازالت باقية على حالة الانهيار وعاطلة عن العمل.

وخطورة هذه الحالة أنها تحدث أثرها فى كيفية الأداء، إذ كلما تعقدت الإجراءات وازدادت صعوبة، كلما اخترقها الفساد واتسعت دائرته، وظهر الابتزاز وانتشرت الرشوة واختنقت العدالة، فماذا نتوقع من حال العدالة إذا اتخذت موقعا لها فى مبانٍ من المساكن الشعبية، وماذا نتوقع لمسيرتها وحال اعضائها وهم يباشرون مسئوليتهم الهائلة فى تلك الأماكن الخانقه.

فمن يصدق أن السادة المستشارين بالمحاكم الجنائية ينتظرون دورهم لعقد الجلسات عندما تفرغ قاعات المحاكم من نظر القضايا ليعقدوا جلساتهم بعدها؟! لضيق دور المحاكم، ومن يصدق أن اختصاصات النيابات تمتد الى أماكن شاسعة تبعد عن مقارهم بمئات الكيلومترات؟! ومن يصدق تنازع الاختصاصات الواقع بين النيابات الجزئية ونيابات الأسرة ومحاكمها بما من شأنه أن يعطل سير العدالة ، ويباعد بينها وأن تكون عدالة ناجزة!.

ويتطلب هذه الحالة معالجة عاجلة لإصلاح دور العدالة، سواء المحاكم أو النيابات وإعادة توزيع الاختصاصات بينها لتكون قريبة من المتقاضين، للتيسير نحو تحقيق العدل أمام المتقاضين ورؤساء وأعضاء المحاكم والنيابات، وتنظيم سهولة الإجراءات والقضاء على المعوقات والصعوبات من طول المسافات، وحتى يتحقق العدل وتتيسر الأمور على رجاله ونقضى على الفساد.

وبهذه المناسبة فأن الأمر لا يخص الأبنية وحدها وإنما يجب أن يمتد الإصلاح والتطوير والمتابعة الى القائمين عليها منذ بداية عملهم بالتأهيل والتدريب لأن البشر يتفوق بالتنمية والكفاءة على الأبنية ذاتها، ولأن الإنسان سيظل دوما هو الحكم والسيد فى مسيرة العدالة، مهما تكن الأبنية وسرايا المحاكم والنيابات، وفى النهاية تتحقق الحماية للمتقاضين ولرجال العدل فى كل مكان.

ومن المؤكد أن ذلك ليس بعزيز، فالإمكانات المتاحة والمتفوقة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة ورجالها، وكذلك وزارة العدل وقاماتها من المسئولين عن مسيرتها بخبرتهم فى تحقيق العدل، قادرون على تحقيق أهدافها لأن القضاء ليس وظيفة وإنما هو ولاية وعبادة، يقوم على تحقيقها مهما يكلفهم ذلك من عناء يحسب لهم فى ميزان العدل والإنصاف وفى رصيد الخير والحسنات فى الدنيا والآخرة.

◀ د. شوقى السيد يكتب باب تحقيق العدل سرايا المحاكم النيابات!