الصباح العربي

الجمعة، 24 مايو 2019 09:00 صـ
الصباح العربي

تحقيقات وتقارير

قصة الاستروكس.. ابتكار يهودي لابادة المصريين

الصباح العربي

الاستروكس  ..اسرع وسيلة للموت ..مدمر الاطفال والمراهقين .. اسم  يتردد بقوة في الاونة الاخيرة في سوق المخدرات في مصر .

   بدأت سيرته منذ سنوات قليلة ولم تتوقف ، تتطور وتدخل مساحات جديدة  منذ حادث قطار محطة مصر في مارس الماضي، وعلى مدار أسابيع تكرر اسم الاستروكس كثيرًا، إذ قالت جهات التحقيق إن عامل المناورة المتسبب في الحادث المروع كان يدخنه. ما دعا نواب البرلمان  لمناقشة مشروع  قانون جديد للمخدرات لمواجهة هذا القاتل الجديد .

علاقة الاستروكس بالمصريين حديثة العهد، لم يمر عليها عقد واحد بعد، إلا أنه استطاع كسر الحاجز الاجتماعي كونه مخدر جديد وغريب الأثر، وأن يكون هو المخدر الأساسي للمراهقين بدلًا عن الاحتكار التاريخي للحشيش.

 

ماهو الاستروكس ؟

الاستروكس ليس عقارًا جديدًا وحسب، إنما هو مضاد لكل الأنواع التي تعامل معها سوق المخدرات المصري ، وتلقفها الشباب علي الفور   لا يسبب شعورا بالنشوة مثل الحشيش ولا ينشط الاداء الجنسي مثل  الترامادول كما انه ليس مهدئا كالهيروين.

بدأت قصة الاستروكس   عام 1984 في أبحاث أستاذ الكيمياء العضوية اليهودي جون و. هوفمان بهدف ابتكار مواد مصنعة  تحاكي تأثير حمض THC (الموجود في القنبيات مثل الحشيش والبانجو) على المخ ؟، و ألف هوفمان 400 معادلة لإنتاجه  وكان لهذه المواد تأثير يوازي خمسة أضعاف تأثير الحشيش.

  وفي عام 2002  تم رصد  مواد مُصنعة طبقًا لثلاثة من معادلات هوفمان في سوق المخدرات الألماني ، تحمل اسمه  وكانت تشبه البانجو في الشكل وطريقة التعاطي، فهي  أعشاب خضراء فاتحة اللون تُخلط مع تبع السجائر وتُدخن و تحت هذا المسمى بدأ العقار في الانتشار، مستفيدًا من  عدم تجريمه دوليا  كما أن اختبارات فحص المخدرات لا تتمكن من اكتشافه.

 

وبدأت سمعة العقار في التسلل لأحاديث مستخدمي القنب الطبيعي ،  فالعقار الجديد مختلف كثيرًا، يعطي تأثير تدخين كمية كبيرة من  الحشيش دفعة واحدة كما ان تأثيره   لا يتسلل ببطئ  لخلايا الدماغ  ، إنما يأتي فجأة، يداهم المدخن ويصدمهلانه يطلق  دفعة دوبامين مفاجئة يستقبلها المخ، تصنع عالما منعزلا و غير مرئيا بين المتعاطي  والمحيطين به. ويدخل في حالة الهلوسة  السمعية، وينتابه شعور هائل من السعادة يستمر لعشر دقائق أو ربع ساعة على الأكثر ويصبح التعلق به أقوى من الاعتياد على الحشيش ، وتتمثل  الأعراض الجسدية المصاحبة في  التقيؤ، سرعة وعدم انتظام دقات القلب، ضيق تنفس ويحدث  كل ذلك دفعة واحدة ، يستمر لأقل من ربع ساعة ثم ينتهي ، و مع زيادة مرات التعاطي ، ظهرت أعراض ثابتة لدى بعض المتعاطين متمثلة في الاصابة بما يسمي اضطراب الهوس الاكتئابي التي تتسبب في الموت حيث سجلت في الولايات المتحدة أول وفاة مرتبطة بتعاطي الاستروكس في عام 2011،  وكان سبب الوفاة التسمم وفشل في عضلة القلب ،و في هذه اللحظة بدأ عدد من الولايات الأمريكية والدول الاخري  في بحث تجريم المخدر الجديد.

 

مفعول اطول

   ولم يقتصر تخطيط اليهودي الالماني هوفمان علي مجرد اطلاق هذا الشيطان الجديد بل عمد علي تحسين خواصه ليضاعف الاقبال عليه وتبنت  منظمات يهودية دولية تمويل ابحاثه  لتلافي مشكلة قِصر مدة المفعول ، فجاء أول تعديل على معادلات هوفمان الاولية  في الفترة ما بين 2012 و 2013، وأُضيف إليها مادتان جديدتان لهما تأثير يطيل مدة الشعور، اضافة الي تحسين  تأثيره  في زيادة صدمة النشوة، هما الكيتامين والوارفارين. الأول، عقار يستخدم كمخدر في العمليات الجراحية، وله أثر مهلوس ويسبب الشعور بالنشوة ، ويعد المكوّن الوحيد في الاستروكس المدرج في جداول المخدرات في القانون المصري  والثاني من الأدوية المضادة للتجلط  ويدخل في صناعة سم الفئران والمبيدات الحشرية ، وهكذا تضاعفت مدة التأثير ووصلت إلى نصف ساعة ، وارتفعت حدته من خمسة أضعاف  تأثير الحشيش إلى 100 ضعف ، وهو ما لاحظته  الجهات الصحية حيث تغير التأثير وكذلك الأعراض الجانبية. فالمواد الجديدة التي اضيفت  قادرة على تفعيل حالات الذهان وإظهارها ، إذ استمرت أعراض الذهان في الظهور عند المتعاطين لمدد تراوحت بين أسبوعين وحتى سبعة شهور عقب التوقف عن التعاطي  غير أن احتمال الإصابة بحالة ذهان ثابتة واردة بقوة ، كما أنها ارتبطت بإصابة بعض المتعاطين بالغيبوبة السريرية وفشل عضلة القلب والقصور الكلوي  ، كما لاحظ مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن عدد الوفيات المرتبطة بتعاطي الاستروكس تضاعف ثلاث مرات بين عامي 2014 و2015.

 

الاستروكس في مصر

  وعن تجارب الشباب مع الاستروكس في مصر يقول مجدي وهو شاب عشريني «أنزل بولاق الدكرور، أول ما بخش الشارع الديلرات  يندهوا عليا، قبل ما الشارع يخلص بكون قضيت الحاجة وجبت. بخش على الديلر أقوله عايز بخمسين جنيه مثلا وأطلعله المكتب يرشلي عليه (المكتب هو أي ورقة يضع فيها المدخن العشب) ممكن أطلع مثلا نص جنيه، وأحطه بالصدفة على الوش المرسوم عليه الجامع، الديلر يقوللي اقلبه، مش هاحط الاستروكس  على الجامع !!! ويكمل "  أول ما اسيبه لازم أعمل التيست ،  أفضي طرف سيجارة عادية، وأحط حاجة بسيطة أوي وأولع واخد نفس.. نفس واحد يخليك تعرف الحاجة دي دماغها عاملة ازاي».

 

   بدأ مجدي تدخين الاستروكس في سن الثامنة عشر ،  مع انخفاض جودة الحشيش وزيادة أسعاره، عُرضت عليه الأعشاب الجديدة لأول مرة ، وقتها  كان الاستروكس محصورًا بين الطبقتين الوسطى والعليا و كان الديلر الأول له طالب في كلية الهندسة، يتنقل بين الزبائن بسيارته الخاصة.

 

ويضيف مجدي  «في الوقت ده مكانش فيه إلا الأكياس المستوردة، الكيس 4 جرام وبـ 250 جنيه ، كان بيعمل معايا تقريبا 16 سيجارة، والسيجارة الواحدة توقع 4 أو 5 أنفار ».

 

   ويقول  " دخنت اول سيجارة  مع أربعة رفاق آخرين  ،  ثلاثة أنفاس وتشعر كأنك دخنت ثلاثة «جوينتات»  حشيش وحدك دفعة واحدة ،  الفارق الأساسي أن الحشيش لا يمنعك عن التعامل مع البيئة المحيطة ، أما النوع الوافد حديثًا ، فيعزلك عن المحيط، وينتابك شعور هائل بفقدان السيطرة على كل شيء.

 

  انتشار سريع

    مع الوقت بدأت سمعة الاستروكس في الاتساع ، وبات معروضًا في أسواق المخدرات في كل المناطق، وبدأ البيع يتجزأ من الكيس المغلق إلى البيع بالجرام أو حتى أقل ،  اختفت العشبة الواردة من الخارج ، وظهر ثلاث أنواع من الاستروكس. المخلوط مع عشبة البردقوش ، وذلك هو الأقل تأثيرًا، والمخلوط بعشبة الدميانة، وأخيرًا المخلوط بتبغ السجائر اللف وهذا هو الأقوى.

 

    مسيرة مجدي مع الاستروكس حملت الكثير من الخطوات التي كانت حكرًا على مدمني الهيروين وما يساويه في مدى الإدمانية ، مر بـ«الحفلة»، بداية الاكتشاف وأول السعادة ،  انزلاقه نحو «الحفرة» كان سلسًا لدرجة أنه لم يلاحظ كثيرًا كيف بات خارج نطاق اليقظة.

 

  ويضيف :  تبدأ الدائرة تغلق نفسها سريعًا ، فالاستروكس رخيص ، تستطيع شراء ما يكفي لسيجارة بعشرة جنيهات ، لكن الدماغ التي ما أن تبدأ لا تريد أن تنتهي ، تذهب سريعًا وتطلب المزيد لتجدد التأثير.

 

 

رحلة يومية الي " بولاق "

بالنسبة لمجدي  طالما كان الاستروكس متاحًا، كلما استطاع الحفاظ على روتين يومه. الشراء من بولاق، العودة للمنزل، الاطمئنان على وجود طعام، تدخين الاستروكس، الأكل، تدخين المزيد مع سماع الموسيقى الصاخبة، يقول : "  سماع الموسيقى مختلف، ببساطة يستطيع سماع كل آلة على حدة وبنقاءٍ لم اجربه من قبل " .

ما أن اصبح التعاطي  هو مركز الروتين اليومي لمجدي، ازدادت علامات تعلقه المرضي ، يقول :  قد يبدأ الأمر بأن تحاول الاتصال بصديق لك للاشتراك في الشراء، وتحرص على أن تكون أنت المتعامل مع الديلر، وتخصم بعض المادة المخدرة  عن صديقك، ثم تتقاسمها معه ببساطه تخدعه وتسلبه جزء من نصيبه  ".

ويضيف «الديلر ده من برة المنطقة، بييجي كل يوم يبيع هنا وفيه مخاطرة طبعا إنه كل يوم ييجي بالحاجة،  عرض عليا إنه يخليها عندي، قاللي اشرب منها زي ما انت عايز، عارف اني مش هاقدر اشرب منها اللي يخسره، كان المفروض يخلي الحاجة عندي وكل ما يعوز منها يتصل بيا أنزله اللي عاوزه في السلة من البلكونة ».

 

 من الفودو الي الاستروكس

  وصل الاستروكس مصر، وانتشر في البداية باسم «الفودو». استغل غياب الحشيش بعد أزمته الشهيرة في 2009، وتسلل بثبات للسوق ، وكانت سرعة دخول العقار إلى سوق المخدرات المصري، وسيطرته على قطاع واسع من المتعاطين مفارقة واضحة، إذ أن للسوق نفسه سوابق رفض فيها أنواع المخدرات الجديدة، خاصة تلك التي لها تأثير مُنشط مثل الكريستال ميث والكبتاجون في مقابل المخدرات المهدئة كالبانجو والحشيش ، غير أن السوق رحب  بالقادم الجديد، وهو ما يتعارض بشكل واضح مع الخصوصية المحلية لمجتمع مستهلكي المخدرات.

 

 يقول المعالج النفسي علي فريد : يسعى مستهلك المخدرات وراء دافعين أساسيين، الاحتياج الجنسي والاحتياج الوظيفي ،  فمثلًا تبدأ رحلة تعاطي الترامادول سعيًا إلى إطالة مدة العلاقة الجنسية، أو للإعانة على السهر وإنجاز المزيد من العمل ، أما في حالة الاستروكس فمن الصعب أن يقول المستخدم «أدخن الاستروكس لأفعل كذا».

 

ويضيف : اخطر ما في الامر ان  الشريحة العمرية الأكثر استخدامًا هي الواقعة بين سن 12 و18 سنة حيث لعبت عوامل عديدة  دورًا أساسيًا في تسهيل وصول الاستروكس إلى مصر وانتشاره السريع، لاسيما بين المراهقين ،  كانت أكياس الاستروكس تأتي من الخارج بصورة شرعية، إذ أن كل مواده الفعالة كانت مشروعة التداول، قبل أن يضاف الكيتامين على التركيبة، ومع تنوع المادة وتطورها في مصر، كانت تباع المادة الجديدة في أكياس مطابقة لتلك المستوردة، مرسوم عليها وجه مبتسم أو شخصية كرتونية، مكتوب عليها «4 جرام» و«غير مخصص للاستهلاك الآدمي ، وكان السعر المنخفض للاستروكس سببا في انتشاره ،  ففي الوقت الذي قد تكلف فيه سيجارة الحشيش 50 جنيهًا، وبالكاد تكفي مدخنًا واحدًا، تصل سيجارة الاستروكس إلى 10 جنيهات وتكفي ثلاثة أو أربعة مدخنين ، فضلا عن احتمالات التأثير المؤكدة للاستروكس مما يجعله مضمونًا أكثر من الحشيش ، هذا الي جانب تأثيره السريع فما " ان  تشعل السيجارة وتسحب، تشعر بالمطارق على رأسك، ترتسم طبقة شفافة بينك وبين المحيط، وترى أنك بالكاد سحبت ثلاثة أنفاس،  هكذا يصف مجدي  التأثير: «شاكوش على راسك». ويعتقد على نطاق واسع أن مسمى الاستروكس جاء من الكلمة الانجليزية «خبطات».

 

 ويضيف " الرحلة السيئة التي يؤدي لها الاستروكس ظهرت لدى  منذ البداية، فإن كانت الكمية قليلة فهي تتسبب في  حالة ضحك هيستيرية ، وإن زادت الكمية تأتي الهلاوس المرعبة ،  كأن تبقى في الحمام للتقيؤ، وتريد أن تُطمئن أصدقائك في الخارج أن الأمور جيدة ، تسمع دقاتهم على باب الحمام وأصواتهم المتداخلة، ولا تستطع الرد،  وبعد أن تهدأ نوبة التقيؤ تخرج لأصدقائك لتكتشف أنك منذ البداية وحيدًا في المنزل .

 

تجربة الموت بالاستروكس !!

ويكمل : الشعور بالموت المصاحب لتدخين الاستروكس مختلف كثيرًا عن ذلك المرتبط بنوبة الهلع، أو تلك المخاوف التي قد يحفز ظهورها الحشيش ، فحالة الهلع التي قد يؤدي لها الحشيش قد تصيب واحد من كل أربعة مدخنين ، أما الاستروكس، فالأربعة سيشعرون بذلك ، ويضيف :  ليس مجرد محاكاة لمشاعر الموت الحقيقية، إنما هو ردة فعل على تغير بيولوجي يؤدي له الاستروكس مطابق لذلك الذي يمر به الجسد في حالة الموت،  تنقبض الأوعية الدموية بشدة فتمنع وصول الدم إلى الدماغ، فيتصرف المخ وكأن ذلك الانقطاع نهائي، ويمارس ما يمارسه عند الموت ، بكلمات أخرى هي بروفة لتجربة الموت نفسه.

انتهت رحلة مجدي مع الاستروكس عندما تعرض لحادث بشع ، فقد  كان يقود سيارته ويتقيأ ،  لم يستطع التوقف عن أيهما يقول :  «العربية طايرة حرفيًا وأنا برجع، مش عارف أركن ومش عارف أبطل ترجيع ،  وقفت استروكس، التوقيف كان صعب طبعًا ولكن التجربة ارعبتني واطالب اولياء الامور بمراقبة ابنائهم كما ادعو الي فرض عقوبات مشددة تصل الي الاعدام في مكان عام لكل من يروج لهذا اسم القاتل ».

قصة الاستروكس ابتكار يهودي لابادة المصريين

تحقيقات وتقارير