رئيس التحريرحسين شمردل
  • بنك مصر
  • بنك مصر

 د. يسرى عبدالله يكتب: التنوير وتغيير العالم

 د. يسرى عبدالله يكتب: التنوير وتغيير العالم
2018-07-16 13:30:28

على الرغم من كثرة الرطان الذى صاحب هذه العبارة الملهمة تغيير العالم، وجعلنا أحيانا كثيرة أمام تصورات عبثية، أو ميتافيزيقية، أو يوتوبية، فإن الرغبة العارمة فى جعل العالم أفضل تظل حلما مراوغا يبغيه الكثيرون، ويفكر فيه الجميع، كما كان يشير الأديب الروسى الفذ تولستوى فى مقولته الدالة الجميع يفكر فى تغيير العالم، ولكن لا أحد يفكر فى تغيير نفسه. وقد عرف تاريخ الأفكار حضورا متزايدا لتصورات معرفية حول تغيير العالم، فكل فلسفة سياسية واقتصادية، وكل تصور فكرى وإبداعى اعتقد بامتلاكه القدرة على جعل العالم أفضل، وبدت الثقافة دائما مُعينة على فهم الواقع وجعله أكثر جمالا وإنسانية، فكان الشاعر والناقد الشهير تى. إس. إليوت يراها وحدها تجعلنا نرى الحياة تستحق أن نحياها، وبدت الثقافة هنا مرتبطة بجملة القيم والسلوكيات الإنسانية، فضلا عن أنماط التفكير، وصيغ الإبداع المتعددة التى لا تعرف الوجه الواحد، ولا التصورات المغلقة والرؤى الجاهزة المعدة سلفا. فى كل ذلك كان تغيير العالم رهانا كبيرا من رهانات المعرفة، والثقافة، والتنوير أيضا، وبدت حقب التنوير المختلفة فى أوروبا، التى انطلقت منها إلى العالم معنية أكثر بتحرير الوعى الإنسانى، وتخليص الإنسان الفرد من تفكيره العشائرى، أو الجهوى، أو القبلى، أو الطائفى، بنقد الماضى نفسه، وما يحمله من تصورات وأفكار قديمة عن العالم، ووضعها موضع المراجعة النقدية والمساءلة المستمرة. لكن لماذا التنوير تحديدا يمكن أن يغير العالم، ويسهم فى توسيع مساحة التأمل والتفكير النقدى، وإفساح المجال أمام خطابات متعددة، تستقى تنوعها من فكرة نبيلة مفادها أن تدع مائة زهرة تتفتح، وتسعى فى الآن نفسه إلى استلهام القيمة وحدها والانتصار لكل ما هو حر وإنسانى وتقدمى، عبر هذا الفهم الواسع لحركة الأفكار ومعنى التعدد الثقافى، يصبح التنوير أداة حقيقية من أدوات التغيير لبنية التفكير السائدة، وأنماط الفهم الضيق للعالم، ويصبح الدفاع الخالص عن العقلانية آلية من آليات الانتقال من العتامة والظلام الفكرى والقسوة المفرطة فى التعامل مع العالم إلى براح التنوير والحرية والفهم الإنسانى الوسيع للواقع والأشياء. إن الشيء المركزى الذى يلعبه التنوير الحقيقى المشغول بالفعل وليس الرطان أن يسائل أنماط التفكير الخرافى، ولا يتعامل معها من منطق التسليم الساذج، فلا يفرط فى الاعتقاد بامتلاك اليقين أو احتكار الحقيقة، فالنسبية وهى أصل الأشياء صارت علامة على زمن، وليست فقط فكرة علمية، أو منطقا فى التفكير، أو تصورا فكريا عن العالم، ولذا سيكون مهما للغاية أن تسعى حركة التنوير فى عالمنا العربى، وهى للأسف لا تعتمد على جهود متواصلة وإنما تعتمد على اجتهادات فردية من آحاد من المفكرين، إلى محاولة توسيع رقعة البحث والتأمل والتفكير وربطه بالسياقات الاجتماعية، ومعرفة المجتمعات من الداخل، وليس رؤيتها من الخارج فحسب، فأنماط التفكير التى تعتمد على قيم الماضى المطعم بآليات الفهلوة وألعاب الحواة وهى شائعة فى مجتمعاتنا بقوة ستفرض مزيدا من الخفة والتراجع وبما يستدعى التنبيه المستمر على فتح المسارات الفكرية المختلفة، وفتح المنافذ للأفكار الخلاقة لتأخذ دورها فى حركة الواقع ومن ثم الإسهام فى تغييره. إن مراجعة أنماط التفكير ومحاولة تغيير كل ما يتصل بالماضى، الذى يصبح سجنا للمجتمعات والأفكار نفسها، وحاجزا على العقل الفردى الساعى صوب المشاركة فى تنمية مجتمعه، مهمة أصيلة من مهام التنوير، الذى يجب ألا ينفصل عن الواقع، ويتعالى عليه، حيث تتعالى بعض النخب على جماهير شعبها وتتعامل معهم من منطق التابع الذى لا يفكر، وإنما هو بحاجة دائما إلى متبوع يفكر له، ففضلا عن انعدام المعنى الإنسانى فى فكرة التابع والمتبوع هنا، فإنها تخفى فشلا ذريعا من بعض النخب التنويرية على استيعاب حاجات الجماهير وتصوراتهم الفكرية وأمانيهم العابرة أيضا. إن فعل التنوير بوصفه فعلا عقلانيا بالأساس، لا يعمل فى الفراغ، وإنما يكون الحيز الذى ينطلق منه وإليه هو حيز الجماهير، ومن ثم يصبح التماس مع الحاجات النفسية للشعوب والوعى بالمدركات العقلية لها وبتاريخها الحضارى ووجدانها الجمعى مسائل مهمة وشديدة الصلة بالرغبة الحقيقية فى تنوير الوعى ومن ثم تغيير العالم، وتخليصه من أسر الأفكار المعلبة، والقوالب الجامدة، والتربص الجاهز بفكرتى العمل والإنجاز. وبعد.. تنمو الشعوب حين ينمو وعيها، وينمو الوعى حين يغادر ماضيه، ويتجه بإرادة وحرية صوب المستقبل، وفى كل ذلك لا يجوز أن يفقد المثقف بوصلته بوصفه حارسا للجمال والمحبة والمعنى الحر فى النظر للعالم والأشياء، حيث لا يصبح التنوير ترفا، بل يصبح ضرورة حضارية وإنسانية، وعونا حقيقيا فى تعبيد الطريق للأفكار الجديدة والخلاقة والبناءة، ومواجهة الأفكار الرجعية والظلامية والمتطرفة.

أُضيفت في: 16 يوليو (تموز) 2018 الموافق 3 ذو القعدة 1439
منذ: 1 شهر, 23 ساعات, 48 دقائق, 14 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

323077

استطلاع الرأي

هل تؤيد محاكمة الإرهابيين أمام المحاكم العسكرية
جميع الحقوق محفوظة 2017 © - الصباح العربي