محمد سعيد: فوضى السوشيال ميديا تهدد أخلاق المجتمع واستقرار الأسرة وتنظيم المنصات أصبح ضرورة وطنية
أكد الكاتب الصحفي محمد سعيد، عضو نقابة الصحفيين المصريين، أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وأداة مؤثرة في تشكيل الوعي العام وتبادل المعلومات، إلا أن غياب الضوابط المهنية والأخلاقية عن بعض المحتويات المتداولة عبر هذه المنصات حوّلها في أحيان كثيرة من وسيلة للتواصل والمعرفة إلى بيئة خصبة لنشر الشائعات وإثارة الفتن والإضرار بالأسرة والاقتصاد والقيم المجتمعية.
وقال «سعيد»، في تصريحات لـ «الصباح العربي»، إن المجتمع لا يواجه أزمة في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، وفي ترك مساحات رقمية واسعة دون مسؤولية حقيقية أو مساءلة واضحة، مشيرًا إلى أن بعض المنصات أصبحت تمنح الأولوية للمحتوى المثير للجدل، حتى ولو كان قائمًا على معلومات غير دقيقة أو انتهاك خصوصيات الأفراد أو الإساءة إلى القيم العامة.
وأوضح أن أخطر ما تسببت فيه السوشيال ميديا هو التراجع التدريجي في معايير التحقق والاحترام، إذ أصبح البعض يتعامل مع التشهير والسخرية والتنمر والخوض في الأعراض باعتبارها وسائل مشروعة لتحقيق الانتشار وزيادة المشاهدات، دون إدراك لحجم الأضرار النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تلحق بالأفراد والأسر.
تهديد مباشر لمنظومة القيم والأخلاق
وأشار عضو نقابة الصحفيين المصريين إلى أن بعض المحتويات الرقمية تروج لسلوكيات تتعارض مع منظومة القيم المصرية، وتقدم نماذج زائفة للنجاح تقوم على الشهرة السريعة وجمع الأموال دون عمل أو معرفة أو موهبة حقيقية، وهو ما يؤثر بصورة خاصة في الأطفال والمراهقين الذين قد يفتقدون القدرة على التمييز بين المحتوى النافع والمحتوى المصنوع بهدف الإثارة وتحقيق الأرباح.
وأضاف أن انتشار مشاهد العنف اللفظي والتجاوزات الأخلاقية والتفاخر المبالغ فيه بالثروة والمظاهر الاستهلاكية يؤدي إلى إضعاف قيمة العمل والاجتهاد، ويخلق لدى بعض الشباب حالة من عدم الرضا عن واقعهم، فضلًا عن تقليد ممارسات قد تهدد سلامتهم ومستقبلهم.
وأكد محمد سعيد أن حرية التعبير قيمة دستورية وإنسانية لا يمكن المساس بها، لكنها لا تعني حرية التشهير أو نشر الأكاذيب أو التحريض على الكراهية أو انتهاك الحياة الخاصة، موضحًا أن الحقوق تقترن دائمًا بالمسؤولية، وأن الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى منطقة بلا قانون أو أخلاق.
السوشيال ميديا تعمق الخلافات داخل الأسرة
ولفت الكاتب الصحفي محمد سعيد إلى أن الاستخدام المفرط لمنصات التواصل أسهم في تقليص مساحة الحوار المباشر بين أفراد الأسرة، حيث أصبح كل فرد يعيش داخل عالم رقمي منفصل، الأمر الذي أضعف التواصل الإنساني وفتح الباب أمام سوء الفهم والخلافات الزوجية والأسرية.
وأضاف أن نشر تفاصيل الحياة الخاصة على الملأ، ومقارنة الواقع الأسري بصور مثالية ومصطنعة يقدمها الآخرون، قد يؤديان إلى زعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي، مؤكدًا ضرورة قيام الأسرة بدورها في التوعية والرقابة الإيجابية، وعدم ترك الأطفال والمراهقين فريسة للمحتويات غير المناسبة أو حملات التضليل والاستقطاب.
وشدد على أن حماية الأبناء لا تتحقق بالمنع المطلق، وإنما ببناء الوعي وتعليمهم قواعد الاستخدام الآمن، وكيفية التحقق من المعلومات، واحترام خصوصية الآخرين، وعدم الانسياق خلف التحديات الخطرة أو الحسابات المجهولة.
الشائعات الرقمية تضرب الاقتصاد والثقة العامة
وأوضح محمد سعيد أن أضرار السوشيال ميديا لا تتوقف عند الجوانب الأخلاقية والأسرية، بل تمتد إلى الاقتصاد، حيث يمكن لشائعة واحدة بشأن أسعار السلع أو البنوك أو العملة أو نقص أحد المنتجات أن تثير حالة من الهلع، وتدفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات شرائية أو مالية غير محسوبة.
وأشار إلى أن الشائعات الاقتصادية قد تؤثر في ثقة المستثمرين، وتربك حركة الأسواق، وتمنح بعض المحتكرين والمضاربين فرصة لاستغلال مخاوف المواطنين، مؤكدًا أن الأمن الاقتصادي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن المعلوماتي، وأن تداول البيانات غير الدقيقة قد يكلّف المجتمع والدولة خسائر كبيرة.
وأضاف أن بعض الصفحات والحسابات تتعمد نشر عناوين مضللة أو اجتزاء التصريحات الرسمية بهدف زيادة المشاهدات، دون اعتبار للنتائج الاقتصادية أو الاجتماعية، مطالبًا وسائل الإعلام المهنية والمؤسسات الرسمية بسرعة إتاحة المعلومات الصحيحة، لأن الفراغ المعلوماتي يمثل البيئة المثالية لانتشار الشائعات.
مواجهة الفتن والحسابات المجهولة
وحذر عضو نقابة الصحفيين المصريين من استغلال المنصات الرقمية في إثارة الفتن الدينية والسياسية والمجتمعية، أو في تضخيم الوقائع الفردية وتقديمها باعتبارها ظواهر عامة، بما يؤدي إلى زيادة التوتر والانقسام بين المواطنين.
وأكد أن الحسابات المجهولة واللجان المنظمة تستغل سرعة انتشار المحتوى لإعادة تدوير الأكاذيب، وتكرارها حتى تبدو لدى البعض وكأنها حقائق، مشددًا على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونًا بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والأحزاب والمدارس والجامعات والمجتمع المدني.
وقال إن المواطن نفسه يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعة، من خلال التوقف عن المشاركة قبل التحقق من مصدر الخبر، والعودة إلى الجهات الرسمية ووسائل الإعلام الموثوقة، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو المقاطع المجتزأة.
تنظيم المنصات وليس تقييد حرية التعبير
وطالب محمد سعيد بضرورة إحكام الدولة تنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي داخل المجتمع المصري، وإلزام الشركات المالكة لها بالاستجابة للقوانين الوطنية، وحذف المحتويات التي تتضمن تحريضًا على العنف أو الكراهية أو الابتزاز أو انتهاكًا لخصوصية المواطنين، مع توفير آليات واضحة وسريعة لتلقي الشكاوى ومحاسبة المخالفين.
وأوضح أن المقصود ليس فرض السيطرة على الآراء أو تقييد النقد المشروع، وإنما إخضاع المنصات لمسؤوليتها القانونية والاجتماعية، مثلها مثل المؤسسات الإعلامية والاقتصادية الأخرى التي تعمل داخل الدولة وتحقق أرباحًا من جمهورها.
ودعا إلى وضع إطار متوازن يضمن حرية الرأي والتعبير، وفي الوقت نفسه يحمي المجتمع من الجرائم الرقمية والشائعات والمحتوى الضار، مع ضرورة التعاون بين الدولة وشركات التكنولوجيا لتحديد الحسابات الوهمية ومصادر الحملات المنظمة، دون المساس بحقوق المستخدمين أو خصوصيتهم.
وأكد أهمية إلزام المنصات بمزيد من الشفافية بشأن آليات ترشيح المحتوى والإعلانات الممولة، خاصة المحتويات التي تستهدف الأطفال أو تروج لمعلومات اقتصادية وطبية غير موثوقة، إلى جانب تطبيق قواعد صارمة لحماية بيانات المواطنين.
المسؤولية الاجتماعية واجب على الجميع
وأكد عضو نقابة الصحفيين المصريين على أن مواجهة أضرار السوشيال ميديا لا تقع على عاتق الدولة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر بوسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، وتمتد إلى صناع المحتوى والمعلنين والشركات المالكة للمنصات، مشددًا على ضرورة إطلاق برامج وطنية مستمرة للتربية الإعلامية والرقمية، تساعد المواطنين على التحقق من الأخبار، وفهم أساليب التلاعب بالمعلومات، والتعامل الواعي مع المحتوى، مؤكدًا أن بناء الإنسان الواعي هو الحصن الأقوى في مواجهة الشائعات والفتن.
واختتم الكاتب الصحفي محمد سعيد مؤكدًا أن التكنولوجيا يمكن أن تكون قوة للبناء ونشر المعرفة ودعم الاقتصاد، شريطة أن تُستخدم في إطار من المسؤولية والوعي واحترام القانون، مؤكدًا أن حماية المجتمع من الفوضى الرقمية أصبحت ضرورة وطنية، لا تتعارض مع الحرية، بل تحميها من أن تتحول إلى أداة للإضرار بالآخرين أو تهديد استقرار الدولة.














